مقالات

ثقافة «الدايت» و«الأكل الصحي» في الكويت: هل هي واعية صحيًا أم مجرد موضة استهلاكية؟

 

بقلم: الخبير العقاري أحمد الفرج

 

في أي مجمع تجاري كويتي اليوم، ستجد مقهى يعرض «سموذي أخضر»، ومطعمًا يكتب على قائمته «خالٍ من السكر»، ومحلًا يبيع «وجبات الدايت» جاهزة بالتوصيل. وفي أي ديوانية، ستسمع حديثًا عن «الكيتو» و«الصيام المتقطع» و«البروتين». الأكل الصحي صار حاضرًا في حياتنا وفي شوارعنا، وصار سوقًا نشطًا يجذب المستثمرين.

لكن السؤال الذي يطرحه كل متأمل: هل هذا وعي حقيقي بالصحة، أم موجة استهلاكية تركبها العلامات التجارية؟

ظاهرة تستحق التقدير… وتستحق السؤال

لنبدأ بالإنصاف. اهتمام الناس بما يأكلون تطور إيجابي في ذاته. فمن كان يتجاهل مكونات طعامه قبل سنوات أصبح اليوم يقرأ الملصقات ويسأل عن الطريقة التي أُعدّ بها الطبق. وهذا الاهتمام يدفع المطاعم إلى تحسين خياراتها، ويفتح الباب أمام أفكار جديدة تخدم المستهلك.

لكن المراقب الدقيق يلاحظ أن هذا الاهتمام يختلط أحيانًا بأمور أخرى: السعي إلى المظهر، والتأثر بما يراه الناس على وسائل التواصل، والرغبة في الانتماء لنمط حياة يُنظر إليه بإعجاب. وهنا يصبح الفرق بين الوعي والموضة دقيقًا لكنه حاسم.

كيف تفرّق بين الوعي والموضة؟

بحكم عملي في تطوير مفاهيم المطاعم والمقاهي، لا أستطيع أن أحكم على صحة أي نظام غذائي، فهذا اختصاص الأطباء وأخصائيي التغذية. لكنني أستطيع أن أقرأ سلوك السوق، وهذه بعض المؤشرات التي أراها:

الوعي يدوم، والموضة تتبدل. المستهلك الواعي يلتزم بعادات ثابتة على المدى الطويل، أما المتأثر بالموضة فينتقل من نظام إلى آخر مع كل موجة جديدة.

الوعي يسأل، والموضة تصدّق. الأول يتحقق من المعلومة ومصدرها، والثاني يتبع ما يشاهده في مقطع قصير.

الوعي يتوازن، والموضة تتطرف. الأول يبحث عن نمط يناسب جسمه وظروفه، والثاني قد يتبنى قواعد صارمة لأنها رائجة.

الوعي لا يحتاج إلى عرض. أما الموضة فغالبًا تحتاج إلى جمهور.

وهذه المؤشرات ليست أحكامًا على الأفراد، بل عدسة لفهم ما يحدث في السوق.

«صحي»… كلمة تباع

من الزاوية التجارية، كلمة «صحي» أصبحت ميزة تسويقية قوية. وهنا أرى مشكلة أحتاج أن أتحدث عنها بوضوح: ليس كل ما يُكتب عليه «صحي» صحيًا فعلًا.

قد تجد منتجًا يحمل عبارات مثل «طبيعي» و«خفيف» و«دايت» بينما لا يختلف جوهريًا عن غيره، لكنه يُباع بسعر أعلى. وقد تجد وجبة مسماة «صحية» لمجرد أنها تقدَّم في عبوة أنيقة وبألوان خضراء. وهذا ليس اتهامًا لأحد بعينه، فكثير من أصحاب المشاريع صادقون ويقدمون منتجات جيدة، لكن وجود فجوة بين الشعار والمضمون في جزء من السوق أمر طبيعي في أي موجة رائجة.

ولذلك أنصح المستهلك بأن يسأل أسئلة بسيطة: ما المكونات؟ كيف أُعدّ؟ هل يوجد من يشرف على التغذية فعلًا؟ ولماذا السعر أعلى؟ فالمنتج الذي يستحق ثقتك لن يخشى هذه الأسئلة.

دور وسائل التواصل: بين التوعية والتأثير

لا يمكن الحديث عن هذه الظاهرة دون التوقف عند وسائل التواصل الاجتماعي. فهي من جهة أتاحت معلومات ومحتوى مفيدًا وفتحت نقاشات إيجابية حول نمط الحياة. ومن جهة أخرى، جعلت الوجبة «الصحية» صورة تُعرض، وجعلت بعض الناس يقارنون أنفسهم بما يرونه على شاشاتهم، ويتبنون أنظمة لمجرد أن شخصًا مشهورًا يروّج لها.

وهنا أذكّر بأن صاحب المحتوى، مهما بلغت شعبيته، ليس بديلًا عن الطبيب أو الأخصائي. ومن الحكمة أن نميّز بين التجربة الشخصية التي يرويها أحدهم، والتوصية الطبية التي تُبنى على حالة كل إنسان.

الأسرة الكويتية: المعادلة الأصعب

في كثير من بيوتنا، تتجاور على المائدة عادات متوارثة وخيارات جديدة. جدّة تفضّل الأطباق التقليدية، وابنة تتبع نظامًا مختلفًا، وأب يحاول التوفيق بين الجميع. وهذا التنوع يخلق طلبًا حقيقيًا على خيارات مرنة تناسب العائلة كلها، وليس فرد واحد فقط.

وأرى أن الفرصة الأكبر لأصحاب المشاريع هي في تقديم نسخ متوازنة من الأكل الذي نحبه، لا في إقناع الناس بالتخلي عن هويتهم الغذائية. فالمائدة الكويتية جزء من ثقافتنا، والمنتج الذكي هو من يحترمها ويطوّرها بلطف بدل أن يتجاهلها.

سوق ينمو… وفرص حقيقية

بصفتي مستشارًا في الأعمال، أرى أن هذا الاتجاه يحمل فرصًا مشروعة لأصحاب المشاريع الجادين. فالمستهلك الكويتي اليوم يبحث عن خيارات متنوعة ومتاحة، وهذا يفتح مجالًا لمفاهيم مختلفة: وجبات جاهزة متوازنة، ومقاهٍ تقدم بدائل أخف، ومطابخ متخصصة تراعي احتياجات معينة، وخدمات اشتراك أسبوعية تريح الأسرة المشغولة.

لكن النجاح هنا يتطلب أكثر من اتباع الموجة. يتطلب:

– مصداقية حقيقية: أن يعكس ما تعلنه ما تقدمه فعلًا.

– جودة ثابتة: الزبون الذي يهتم بصحته أشد حساسية للتغيير والإهمال.

– استشارة متخصصة: التعاون مع أخصائي تغذية يعزز الثقة ويحمي من الادعاءات غير الدقيقة.

– شفافية: الإفصاح عن المكونات وطرق التحضير.

– حسابات واقعية: المواد الطازجة أغلى وأسرع تلفًا، فالهدر يؤثر على الهامش أكثر من غيره.

الموقع والإيجار: عنصر لا ينتبه إليه أحد

هنا أضيف نقطة من صميم تخصصي. كثير من هذه المشاريع تعتمد على فئة محددة من الزبائن: الأسر ذات الدخل المتوسط والمرتفع، والمهتمون باللياقة، والعاملون في مناطق الأعمال. وهذا يعني أن اختيار الموقع حاسم أكثر مما يظن أصحابها.

مطعم صحي في منطقة لا تتناسب مع هذا الجمهور، أو في موقع لا يمر به زبون يومي، سيواجه صعوبة مهما كانت جودته. والمواقع القريبة من النوادي الرياضية والمكاتب والأحياء السكنية ذات الكثافة العالية قد تقدم فرصًا أفضل، لكن الحكم يحتاج دائمًا إلى دراسة ميدانية لا إلى حدس.

كما أن ارتفاع كلفة المواد الطازجة يجعل الإيجار المرتفع عبئًا مضاعفًا، فيجب أن تكون الحسابات متحفظة منذ البداية.

ماذا عن المستهلك؟

أتحدث الآن إلى كل من يهتم بما يأكل، وهذه بعض الأفكار العملية، مع التأكيد على أنني لست مختصًا بالتغذية:

– استشر مختصًا قبل أي نظام صارم: ما يناسب غيرك قد لا يناسبك، والقرارات الصحية تحتاج إلى من يعرف حالتك.

– احذر من الوعود السريعة: أي منتج أو برنامج يعدك بنتائج مذهلة في وقت قصير يستحق الشك.

– قارن بين السعر والقيمة: هل تدفع مقابل مكونات وجودة، أم مقابل اسم وعبوة؟

– لا تجعل الطعام ميدان مقارنة اجتماعية: نمط غذائي يناسبك لا يحتاج إلى تصويره وإثباته للآخرين.

– ابحث عن التوازن: المبالغة في أي اتجاه ليست حكمة.

إلى أين يتجه هذا السوق؟

أميل إلى التفاؤل الحذر. المستهلك الكويتي يتعلم بسرعة، ويقارن ويطلع ويسافر. ومع الوقت ستتراجع المشاريع التي تعتمد على الشعارات وحدها، وتبقى التي تقدم قيمة حقيقية وشفافية واضحة. وستتحول «الصحة» من لافتة تسويقية إلى معيار يُحاسَب عليه الجميع.

وإن حدث ذلك، فسيكون المستفيد الأكبر هو المجتمع نفسه: خيارات أفضل، ووعي أعمق، وسوق يحترم عقل زبونه.

خلاصة القول

لا أستطيع أن أجيب عن سؤال العنوان بكلمة واحدة، لأن الواقع يحمل الأمرين معًا. هناك من يهتم بصحته اهتمامًا حقيقيًا ومستمرًا، وهناك من يتبع الموجة لأنها رائجة، وهناك من يستغل كلمة «صحي» لأنها تبيع. والمهم أن نتعلم التمييز بين هذه الفئات.

ولكل مستثمر أقول: ابنِ على الصدق، فهو الأصل الذي لا تهزه الموجات. ولكل مستهلك أقول: اسأل، وقارن، واستشر المختص، ولا تدع الشعار يقرر عنك. فالوعي الحقيقي لا يُقاس بما نعلنه، بل بما نداوم عليه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى