مقالات

التدقيق الداخلي والحوكمة: كيف تضمن أن شركتك تُدار بشفافية، مسؤولية، وثقة؟

 

بقلم: محمد عثمان – مدير تدقيق داخلي
(CPA, CIA, CMA, CRMA, CISA, CRISC, CERM, CFE, PMP, PBA)

 

كثيرًا ما نسمع مصطلح “الحوكمة” في الأخبار أو التقارير السنوية للشركات، وقد يبدو للوهلة الأولى مفهومًا معقَّدًا أو محصورًا في دوائر صنع القرار العليا.
لكن الحقيقة أبسط بكثير-  الحوكمة ليست مجموعة وثائق أو إجراءات شكلية، بل هي الإطار الذي يضمن إدارة الشركة لمصلحة ملاكها—بشفافية، كفاءة، ومسؤولية.

ببساطة، الحوكمة هي النظام الذي ينظم العلاقة بين الأطراف الثلاثة الأساسية في أي شركة:

الملاك (المساهمون): هم أصحاب رأس المال الذين يستثمرون في الشركة ويبحثون عن تحقيق أرباح واستدامة لأموالهم.

مجلس الإدارة: يمثل حلقة الوصل بين الملاك والإدارة التنفيذية، ويقوم بوضع السياسات العامة، وضمان تحقيق أهداف الشركة، ومراقبة الأداء.

الإدارة التنفيذية: تتولى الإدارة اليومية للشركة، وتنفيذ السياسات والاستراتيجيات التي يضعها مجلس الإدارة.

الحوكمة الجيدة تضمن أن تتعاون هذه الأطراف بشكل منظم، بحيث يتم اتخاذ القرارات بشفافية وعدالة، وتوزيع المسؤوليات بشكل واضح، مع وجود آليات للرقابة والمساءلة. وهذا النظام يمنع انفراد أي طرف بالسلطة، ويضمن وضوح الأدوار، ويحمي حقوق الجميع—خاصة أصحاب الملكية.

وفي قلب هذا الإطار يقف مجلس الإدارة، الذي يُعيّنه الملاك ليكون حارسًا على مصالحهم. لكن مجلس الإدارة—بصفته هيئة استراتيجية غير تنفيذية—لا يمكنه متابعة كل تفصيل يومي. لذلك، يُفوّض مهام الرقابة إلى لجنة التدقيق (لجنة المراجعة)، وهي لجنة متخصصة مشتقة من مجلس الإدارة، مكلّفة بالتأكد من سلامة المعلومات المالية، فعالية الرقابة الداخلية، والاستجابة للمخاطر.

وهنا، يأتي دور وظيفة التدقيق الداخلي—ليست كجهة إدارية، بل كعين واذن لجنة التدقيق (لجنة المراجعة) المشتقة من مجلس الإدارة ، تعمل بتفويض مباشر من اللجنة وفقًا لأفضل الممارسات الدولية مثل معايير معهد المدققين الداخليين( IIA).

ماذا يعني أن يكون التدقيق الداخلي “عين واذن  مجلس الإدارة”؟

يعني أن التدقيق الداخلي:

* لا يتبع الإدارة التنفيذية في تقاريره اليومية،

* بل يقدّم تقاريره مباشرة إلى لجنة التدقيق، التي بدورها ترفع ما يلزم إلى مجلس الإدارة،

* ويتمتع بالاستقلالية الكاملة في تحديد ما يراجعه، ومتى، وكيف،

* وله الحق في الوصول إلى أي معلومة أو شخص في الشركة دون قيود.

بهذا، يضمن مجلس الإدارة أن لديه مصدرًا موضوعيًّا ومستقلًّا لمعلومات غير مُرقّمة أو مُجمَّلة، بل مبنية على اختبارات فعلية وتحليل عميق.

كيف يضيف التدقيق الداخلي القيمة لحوكمة الشركة؟

من خلال تقييم أركان الحوكمة الرئيسية التي يُفوّض مجلس الإدارة لجنة التدقيق بمراقبتها:

1- استراتيجية الشركة واتخاذ القرار

هل قرارات الإدارة التنفيذية متوافقة مع الرؤية والمخاطر التي وافق عليها مجلس الإدارة؟
التدقيق الداخلي يراجع جودة المعلومات المقدمة للمجلس، ويتأكد من أن القرارات الكبرى—مثل الاستحواذات أو التوسعات—مدعومة بتحليل مخاطر كافٍ.

2- فصل الصلاحيات بين الأدوار

الحوكمة الجيدة تعتمد على عدم تركيز السلطة.
التدقيق الداخلي يتحقق من أن:

* مجلس الإدارة يوجّه،

* الإدارة التنفيذية تنفّذ،

* والتدقيق الداخلي يراجع،

* دون أن يُعيق أحدهم الآخر، بل يكمله.

 

3- فعالية لجان مجلس الإدارة

هل لجنة التدقيق، لجنة المخاطر، أو لجنة الحوكمة تجتمع فعليًّا؟
هل تناقش قضايا جوهرية؟
هل تتابع تنفيذ التوصيات؟
التدقيق الداخلي يقدّم تقييمًا مستقلًّا لأداء هذه اللجان، ليضمن أنها ليست مجرد “أختام على أوراق”.

4- ثقافة الامتثال والشفافية

هل الموظفون يشعرون بالأمان عند الإبلاغ عن مخالفات؟
هل تُطبّق العقوبات بغض النظر عن المنصب؟
التدقيق الداخلي يقيّم بيئة الضبط الداخلي، ويرفع إنذارات مبكرة عن أي انحراف في الثقافة التنظيمية.

5- الرقابة على المخاطر الاستراتيجية

مجلس الإدارة لا يطلب “تقرير أرباح فقط”، بل يريد أن يعرف: “ما الذي قد يهدّد مستقبل الشركة؟”
التدقيق الداخلي يتأكد من أن المخاطر—سواء كانت مالية، تشغيلية، سيبرانية، أو تنظيمية—تُحدّد، تُقيّم، وتُدار بفعالية.

 

الخلاصة: من رقابة إلى شريك استراتيجي

لم يعد دور التدقيق الداخلي مقتصراً على التدقيق المالي التقليدي. لقد تطور ليصبح شريكاً استراتيجياً في رحلة الشركة نحو التميز في الحوكمة. من خلال تقييمه المستقل والموضوعي، يساعد التدقيق الداخلي في:

* حماية أصول المساهمين.

* تعزيز ثقة المستثمرين وجذب الاستثمارات.

* تحسين الكفاءة التشغيلية وتقليل الهدر.

* حماية السمعة وتجنب الفضائح والمخاطر القانونية.

باختصار، التدقيق الداخلي الفعال هو بمثابة “الجهاز المناعي” للشركة، الذي لا يكتفي بعلاج الأمراض (المشاكل) بعد وقوعها، بل يعمل على تقوية الجسم (هيكل الحوكمة) لمنعها من الأساس. استثمار الشركات في وظيفة تدقيق داخلي قوية ومستقلة ليس تكلفة، بل هو ركيزة أساسية لبناء شركة راسخة، قادرة على النمو والمنافسة في سوق متغير.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى