مقالات

“محرقة الكفاءات”: لماذا تهرب العقول رغم الرواتب المجزية؟

 

بقلم: سيد ترهوني – مدير إدارة مخاطر

 (CMA, PMI-RMP)

 

في مقالنا السابق ‘فخ الرواتب’، أكدنا أن الرواتب ليست تكلفة… بل استثمار. لكن ماذا لو استثمرتَ في الرواتب، ومع ذلك تهرب الكفاءات من بين يديك؟ بصفتي متخصصاً في إدارة المخاطر، أرى أن الإجابة على هذا السؤال تكمن في خطر خفي لا يظهر في القوائم المالية ولا في تقارير الأداء، وهو ما أسميه ‘مخاطر البيئة الطاردة’. إن وضع ‘موظف كفء’ في ‘بيئة عمل سامة’ هو بالضبط كمن يغرس بذوراً نادرة في أرض غير صالحة وينتظر منها أن تثمر.

في هذا المقال، سنحلل هذه الظاهرة من منظور إدارة المخاطر، ونستعرض العوامل الخفية التي تدفع الكفاءات للمغادرة رغم الإغراءات المادية. هذا التحليل لا يهدف فقط إلى تسليط الضوء على المشكلة، بل يقدم إطاراً عملياً لإدارة أحد أهم أصول المنظمة، ألا وهو ‘البيئة الداخلية’.

الإدارة السامة: عندما يصبح المدير “أصلاً معطلاً

هناك قاعدة ذهبية في علم الإدارة تقول: “الموظفون لا يتركون الشركات، بل يتركون المدراء”.تشير الدراسات إلى أن ما يقارب 70% من أسباب ترك الموظفين للعمل مرتبطة بشكل مباشر بعلاقتهم بمديرهم المباشر، فالمدير الذي يمارس “الإدارة المركزية الخانقة”، أو ينسب إنجازات فريقه لنفسه، أو يقتل روح المبادرة، يعتبر في علم ادارة المخاطر “أصل معطل” (Impaired Asset).

الشركة قد تدفع للموظف راتباً عالياً لشراء “عقله”، لكن المدير السيئ يجبر هذا الموظف على استخدام “يديه” فقط. هذا الهدر في استغلال الطاقات هو خسارة مالية مباشرة، لأنك تدفع ثمن “قدرات” لا يُسمح لك بالاستفادة منها.

“ضريبة التعقيد”..عندما تقتل الإجراءاتُ الإنجازَ

أحياناً، لا يكون السم في “الأشخاص”، بل في “النظام” نفسه. فالبيئة التي تتطلب موافقات لا تنتهي لإقرار فكرة بسيطة، أو تفرض إجراءات مطوّلة لا تضيف قيمة حقيقية، هي بيئة لا تحمي من المخاطر، بل تفرض ما أسميه “ضريبة التعقيد” على أفضل عقولها.

من منظور المخاطر، هذه الضريبة تصنف كـ “مخاطرة كفاءة” فمن المفترض أن يقضي الموظف المتميز وقته في خلق قيمة للمؤسسة، لكن عندما يجد نفسه غارقاً في روتين من الاجتماعات غير المنتجة ومطاردة التوقيعات، فإنه يُصاب بالإحباط.

هذه “الضريبة الخفية” لا تظهر في أي تقرير مالي، لكن أثرها مدمر: قرارات بطيئة، فرص تُهدر، وروح ابتكار تم اغتيالها ببطء تحت وطأة الروتين. في النهاية، يبدأ الموظف الكفء بالبحث عن بيئة أخرى تقدر “سرعة الإنجاز” بقدر ما تقدر “الراتب”، ليس لأنه كسول، بل لأنه يرفض أن يرى وقته يُهدر أمام عينيه.

خطر “الموافقة العمياء”

أخطر ما يصيب الشركات الكبرى هو أن تتحول ثقافتها إلى “ثقافة الصمت”. حينما يتم توظيف الخبراء ودفع رواتب مجزية لهم، ثم يُطلب منهم فقط “تنفيذ الأوامر” دون نقاش. فإن الاستثمار في رأس المال البشري يُهدر.

عندما تحيط الإدارة نفسها بموظفين يقولون “نعم” دائماً خوفاً أو نفاقاً، فإنها تعطل أهم جهاز إنذار مبكر لديها. أنت تدفع للمستشار ليعطيك رأيه، فإذا أجبرته على الصمت، فأنت تحرق أموالك. التنوع في الآراء ليس “فوضى”، بل هو “صمام أمان” يمنع القرارات الكارثية.

“الاستقالة الصامتة”.. النزيف الخفي

ليس كل من يرحل يقدّم استقالته ويمشي؛ هناك من يرحل “ذهنياً” وهو جالس على مكتبه. الموظف الذي يشعر بعدم العدالة، أو غياب الرؤية، يتحول إلى “مؤدٍ للواجب” فقط (Quiet Quitter). هذا النوع من المخاطر هو الأصعب رصداً، لأنه يضرب “الإنتاجية” في مقتل. الشركة تدفع 100% من الراتب، لكنها تحصل على 50% فقط من الطاقة والإبداع.

لذا، فإن إدارة المخاطر الذكية لا تقيس النجاح بساعات العمل، بل بمستوى “الارتباط الوظيفي” (Engagement)، لأنه المؤشر الحقيقي للعائد على الاستثمار في الرواتب.

ختاماً: أصلحوا التربة قبل غرس البذور 

الدرس الجوهري الذي يجب أن نستوعبه جميعاً هو أن الرواتب العالية قد تجذب الكفاءات، لكن “البيئة الصحية” هي وحدها التي تبقيهم. لا تلوموا الموظف الذي يهرب بجلده من سفينة لا يقدر ربانها قيمته.

ابدأ اليوم واسأل نفسك: هل بيئتي جاذبة أم طاردة؟ الإجابة ليست في استطلاعات الرأي الشكلية، بل في بناء إطار عملي متكامل يقوم على تمكين القادة، وتبسيط الإجراءات، وتشجيع الاختلاف البناء. هذه ليست مجرد نصائح، بل هي خريطة طريق لبناء مستقبل مؤسستك.

تذكروا دائما: “الكفاءات مثل الطيور النادرة، لا تسكن إلا في الأشجار التي تمنحها الحرية والأمان.. فإذا ماتت الشجرة، رحلت الطيور، مهما كان القفص ذهبياً”.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى