مقالات

البطاقات الائتمانية: قنبلة ديون موقوتة وتحديات عالمية

 

بقلم/ د. محمد جميل الشبشيري
 Elshebshiry@outlook.com

تُعد البطاقات الائتمانية جزءًا لا يتجزأ من النظام المالي العالمي، وتؤثر بشكل عميق في سلوك الأفراد والاقتصادات. ومع تصاعد حجم الديون المرتبطة بها، خاصة في الولايات المتحدة، يبرز هذا الملف كقضية اقتصادية واجتماعية محورية، لا سيما في ظل الجدل السياسي حول أسعار الفائدة وتصريحات القادة.

حجم السوق والتحديات الراهنة

تتصدر الولايات المتحدة سوق البطاقات الائتمانية عالميًا، حيث يتجاوز عدد البطاقات النشطة 500 مليون بطاقة. وقد شهدت ديون البطاقات الائتمانية ارتفاعًا قياسيًا، متجاوزة 1.21 تريليون دولار في الربع الثاني من عام 2025، مع توقعات بوصولها إلى 1.18 تريليون دولار بنهاية عام 2026. ويبلغ متوسط الدين للفرد حوالي 7,886 دولارًا. هذا التضخم في الديون يتزامن مع ارتفاع أسعار الفائدة وزيادة اعتماد المستهلكين على الائتمان لمواجهة غلاء المعيشة، حيث نما حجم المشتريات السنوي عبر البطاقات إلى 3.6 تريليون دولار في عام 2024.

على الصعيد العالمي، يُقدر حجم سوق البطاقات الائتمانية بنحو 14.83 تريليون دولار في عام 2025، ومن المتوقع أن يصل إلى 15.36 تريليون دولار في عام 2026. ويتزايد الاعتماد على المدفوعات الرقمية واللاتلامسية، التي تشكل حوالي 50% من المعاملات الحضورية عالميًا.

أنواع البطاقات والفئات المتضررة

تتنوع البطاقات الائتمانية لتلبية احتياجات مختلفة، وتشمل:

* البطاقات العامة: الأكثر شيوعًا (Visa, Mastercard).

* بطاقات المتاجر: تصدرها سلاسل متاجر محددة، غالبًا بأسعار فائدة أعلى.

* البطاقات المضمونة: تتطلب إيداعًا كضمان، لبناء أو إعادة بناء التاريخ الائتماني.

* بطاقات الأعمال: مصممة للشركات والمصاريف المهنية.

* بطاقات الطلاب: تستهدف الشباب بحدود ائتمانية منخفضة.

تُعد البطاقات الائتمانية أداة مالية توفر المرونة، سهولة الدفع، وبناء التاريخ الائتماني، بالإضافة إلى حوافز استهلاكية. ومع ذلك، تنطوي على مخاطر كبيرة، أبرزها أسعار الفائدة المرتفعة (20-30% سنويًا)، وفخ الديون الدوّارة الذي يؤدي إلى استنزاف الدخل وتآكل الاستقلال المالي.

تتأثر بعض الفئات بشكل أكبر بديون البطاقات الائتمانية:

* جيل إكس: يحملون أعلى متوسط ديون ائتمانية.

* جيل الألفية وجيل زد: يشهدون أسرع نمو في أرصدة الديون بسبب تحديات المعيشة.

* ذوو الدخل المنخفض: غالبًا ما يعتمدون على بطاقات ذات فائدة مرتفعة، مما يزيد من تعرضهم للديون.

* الأفراد “غير الأصحاء ماليًا”: أكثر من نصف مستخدمي البطاقات في الولايات المتحدة يحملون ديونًا دوارة، مما يؤثر سلبًا على صحتهم المالية والنفسية.

الجدل السياسي: سقف الفائدة وتصريحات ترامب

في 9 يناير 2026، أعلن الرئيس دونالد ترامب عن عزمه فرض سقف مؤقت لمدة عام واحد على أسعار الفائدة على بطاقات الائتمان عند 10%، مبررًا ذلك بحماية المستهلكين. أثار هذا التوجه جدلًا واسعًا؛ فبينما يُنظر إليه شعبيًا كحماية للمستهلك، يراه الاقتصاديون الليبراليون تدخلًا في السوق الحر قد يؤدي إلى عواقب غير مقصودة، مثل تقليص الائتمان للفئات الأكثر مخاطرة. وقد أثرت هذه التصريحات على أسهم البنوك الكبرى وشركات الدفع الآجل.

مقترح تحذير صحي على البطاقات الائتمانية

نظرًا للمخاطر الجسيمة للديون المفرطة على الصحة النفسية والجسدية (التوتر، الاكتئاب، القلق، وزيادة مخاطر الأمراض القلبية والوفاة المبكرة)، يُطرح مقترح جريء: إلزام شركات البطاقات الائتمانية بوضع تحذيرات صحية واضحة ومباشرة على البطاقات نفسها، على غرار التحذيرات الموجودة على منتجات التبغ.

يمكن أن تتضمن هذه التحذيرات عبارات مثل:

“تحذير: الاستخدام غير المنضبط لهذه البطاقة يسبب ضغوطًا نفسية حادة، أزمات قلبية، ويدمر الاستقرار الأسري. الديون قد تؤدي إلى الوفاة المبكرة.”

يهدف هذا المقترح إلى رفع الوعي بالمخاطر غير المرئية للديون، وتحفيز المستهلكين على اتخاذ قرارات مالية أكثر مسؤولية، وإعادة صياغة النظرة المجتمعية للديون كقضية صحة عامة.

الخلاصة: بين الحرية والمسؤولية

الجدل حول البطاقات الائتمانية يتجاوز سعر الفائدة ليشمل فلسفة أعمق حول دور الفرد والدولة. البطاقات أداة محايدة، تتحول إلى نعمة أو نقمة بحسب الوعي المالي. إن أزمة ديون البطاقات الائتمانية هي انعكاس لاختلالات في نموذج الاستهلاك والتعليم المالي. الحل الأكثر استدامة يكمن في تعزيز الثقافة المالية، وزيادة الشفافية، وربط الائتمان بالقدرة الحقيقية على السداد، للحفاظ على حرية الاختيار دون الوقوع في عبودية الدين.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى