مقالات

الدولار على رقعة الشطرنج: هل تستمر اللعبة؟

 

بقلم/ د. محمد جميل الشبشيري
 Elshebshiry@outlook.com

في كتابه الصادر حديثًا (أواخر 2025) بعنوان «Our Dollar, Your Problem» (دولارنا، مشكلتكم)، يقدّم كينيث روغوف — أستاذ الاقتصاد بجامعة هارفارد وكبير الاقتصاديين الأسبق في صندوق النقد الدولي — مراجعة شاملة ومحدثة لمكانة الدولار الأمريكي في النظام العالمي. يطوّر روغوف تشبيهه الكلاسيكي عن الشطرنج ليشخّص واقعًا جديدًا: الدولار لا يزال الملك، لكنه يحكم الآن فوق “تلّة تتقلّص” مساحتها تدريجيًا.

من رقعة الشطرنج إلى نظام النقد الدولي: مسيرة الدولار التاريخية

تعود جذور هذا التشبيه إلى تجربة شخصية مبكرة لروغوف، حين كان مراهقًا يشارك في بطولة عالمية للشطرنج عام 1969 في يوغوسلافيا، ليشاهد عن قرب عالمًا لا يخضع لهيمنة الدولار. لاحقًا، خلال دراسته في جامعة ييل، صُدم بتوقعات بعض أساتذته حول صعود الروبل، في وقت كان الواقع الاقتصادي في الكتلة الشرقية يعكس بؤسًا هيكليًا واضحًا. هذه المفارقة بين التوقعات النظرية والواقع الملموس ستلازم تفكير روغوف الأكاديمي لاحقًا.

يرى روغوف أن الإجابة المختصرة عن صعود الدولار تكمن في حربين عالميتين. فقد أنهكت الحرب العالمية الأولى الاقتصاد البريطاني، وأضعفت الجنيه الإسترليني، لتبدأ مرحلة تقاسم النفوذ بينه وبين الدولار. أما الحرب العالمية الثانية فقد أنهت الدور البريطاني تمامًا، في مقابل صعود الولايات المتحدة التي كانت تمثل نحو 40% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي عند نهاية الحرب.

ومن خلال اتفاق بريتون وودز، رُبطت عملات العالم بالدولار، وربط الدولار بالذهب، ما منح الولايات المتحدة قوة استثنائية، وإن كانت مقيدة بشرط واحد: استبدال الدولار بالذهب متى طلبت الحكومات الدائنة ذلك. هذه القيود انتهت فعليًا عام 1971، عندما أعلن الرئيس ريتشارد نيكسون وقف قابلية تحويل الدولار إلى ذهب، في خطوة هزّت النظام النقدي العالمي. يصف روغوف لحظة 1971 باعتبارها نقطة تحوّل مفصلية، حيث أصبحت الهيمنة بلا قيود خارجية حقيقية.

من الهيمنة المطلقة إلى “التلّة الأصغر”

يرى روغوف أن القوة التي اكتسبها الدولار بعد الحرب العالمية الثانية لم تكن مجرد نتاج صدفة، بل نتيجة سيطرة استراتيجية على “المربعات الحيوية” للنظام المالي العالمي. ومع ذلك، يحذر في أحدث أطروحاته من أن هذه الهيمنة بدأت تتآكل بفعل ثلاثة عوامل رئيسية:

* سلاح العقوبات: التوسع المفرط في استخدام الدولار كأداة للضغط الجيوسياسي دفع الخصوم والحلفاء على حد سواء للبحث عن بدائل.

* انفجار الدين العام: وصول الدين القومي الأمريكي إلى مستويات قياسية.

* تآكل المؤسسات: الضغوط السياسية المتزايدة على استقلالية البنك المركزي (الاحتياطي الفيدرالي).

فخّ الدين: الأرقام المرعبة لعام 2026

لم يعد الحديث عن الدين الأمريكي مجرد تحذير نظري. ففي مطلع عام 2026، تجاوز الدين العام الأمريكي حاجز 38 تريليون دولار. الأخطر من الرقم الإجمالي هو تكلفة خدمته؛ حيث يُتوقع أن تتجاوز مدفوعات الفائدة السنوية تريليون دولار في عام 2026، مما يجعلها ثاني أكبر بند في الميزانية الفيدرالية بعد الضمان الاجتماعي، متجاوزةً الإنفاق الدفاعي.

“لا يوجد شيء اسمه وجبة غداء مجانية في عالم الديون. عندما ترتفع أسعار الفائدة وتتضخم الديون، تصبح الهيمنة النقدية عبئًا استراتيجيًا يهدد مكانة العملة على المدى الطويل.” — كينيث روغوف.

تتفاعل هذه المستويات المرتفعة من الدين مع معدلات التضخم الأخيرة، مما يخلق تحديًا مزدوجًا. فالتضخم يقلل من القوة الشرائية للدولار، بينما تزيد أسعار الفائدة المرتفعة لمكافحة التضخم من عبء خدمة الدين، مما يضع ضغوطًا إضافية على الميزانية الفيدرالية وثقة المستثمرين. كما أن التحولات الديموغرافية، مثل شيخوخة السكان وزيادة الإنفاق على الرعاية الصحية والضمان الاجتماعي، تزيد من الضغوط الهيكلية على الدين العام، مما يجعل العودة إلى مستويات فائدة منخفضة سابقة أمراً صعباً.

استقلالية الفيدرالي تحت الحصار

يشير روغوف بقلق إلى التحولات السياسية في عامي 2025 و2026، حيث يواجه الاحتياطي الفيدرالي ضغوطًا غير مسبوقة لتحفيز النمو القصير الأجل على حساب استقرار الأسعار. ويرى أن أي تسييس للسياسة النقدية سيؤدي حتمًا إلى تراجع الثقة العالمية، وهو المربع الأخير الذي يحمي الملك (الدولار) من “الكش ملك”.

هل نجح “إنهاء الدولرة”؟

على الرغم من الزخم الإعلامي حول مجموعة البريكس (BRICS)، يرى روغوف أن الطريق لا يزال طويلاً. فبينما فشلت قمة ريو دي جانيرو (يوليو 2025) في إطلاق عملة موحدة ملموسة، إلا أن التحول نحو أنظمة دفع بديلة (مثل أنظمة الدفع الرقمية العابرة للحدود) بدأ يقلص من “البصمة الدولارية” في التجارة العالمية، خاصة في آسيا التي تمثل الآن نصف الكتلة الدولارية العالمية.

في عقد 2010، كان حجم الدين العام الأمريكي حوالي 20 تريليون دولار، بينما في عام 2026، وصل إلى 38 تريليون دولار. تكلفة الفائدة السنوية كانت أقل من 500 مليار دولار سابقًا، لكنها الآن تتجاوز تريليون دولار. أما استقلالية الاحتياطي الفيدرالي، فبعد أن كانت مستقرة ومحترمة عالميًا، أصبحت الآن تحت ضغوط سياسية مكثفة. وفيما يتعلق بالمنافسة الدولية، كانت المنافسة محدودة من اليورو، بينما نشهد الآن أنظمة دفع بديلة وعملات رقمية تزيد من التحديات.

يلعب دور التكنولوجيا المالية (FinTech) والعملات الرقمية للبنوك المركزية ((CBDC دورًا متزايد الأهمية في هذا المشهد المتغير. فمع تطور هذه التقنيات، قد تظهر طرق جديدة لإجراء المعاملات الدولية خارج نطاق الدولار، مما قد يسرع من وتيرة “إنهاء الدولرة” على المدى الطويل، حتى لو لم يظهر منافس مباشر للدولار في الوقت الحالي.

الخاتمة: اللعبة في مراحلها الوسطى وسيناريوهات المستقبل

خلاصة رؤية روغوف المحدثة هي أن الدولار لن يسقط غدًا، لكن “الحظ” الذي رافق صعوده بدأ ينفد. إن الحفاظ على السيطرة على رقعة الشطرنج العالمية يتطلب الآن انضباطًا ماليًا لم تعد واشنطن تظهره. إذا استمرت الولايات المتحدة في معاملة الدولار كأداة سياسية بلا قيود، فقد تجد نفسها في النهاية ملكًا على رقعة مهجورة، حيث انتقل اللاعبون الآخرون إلى طاولات أخرى.

تتعدد السيناريوهات المستقبلية لمكانة الدولار. في السيناريو الأكثر تفاؤلاً، قد تتبنى الولايات المتحدة إصلاحات مالية جادة، وتعزز استقلالية الاحتياطي الفيدرالي، مما يعيد الثقة في الدولار ويحافظ على هيمنته، وإن كان ذلك على “تلّة” أصغر. أما في السيناريو الأكثر تشاؤماً، فقد يؤدي استمرار تراكم الديون وتسييس السياسة النقدية إلى تآكل تدريجي لمكانة الدولار، مما يدفعه نحو دور أكثر تواضعاً في نظام مالي عالمي متعدد الأقطاب. لتعزيز استقرار الدولار والحفاظ على ثقة المستثمرين، يتطلب الأمر توصيات سياسية حاسمة، مثل وضع خطة واضحة لخفض الدين العام، وحماية استقلالية البنك المركزي من التدخلات السياسية، والاستثمار في البنية التحتية المالية التي تدعم الابتكار دون المساس بالاستقرار. اللعبة لم تنتهِ بعد، ومستقبل الدولار يعتمد على القرارات الاستراتيجية التي ستتخذها الولايات المتحدة في السنوات القادمة.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى