مقالات

الإدارات المساندة… العمود الفقري للربحية المستدامة في الشركات الحديثة

 

بقلم : تامـر عبدالعزيز

أمين سر – مدير إدارة الموارد البشرية.

 

في عالم الأعمال، اعتاد كثير من التنفيذيين والممارسين وصف بعض الإدارات داخل الشركات بأنها «إدارات غير مدرّة للربح»، في إشارة إلى الإدارات التي لا ترتبط بشكل مباشر بالمبيعات أو الإنتاج، مثل الموارد البشرية، الشؤون القانونية، المالية، تقنية المعلومات، الامتثال، وإدارة المخاطر. غير أن هذا التصنيف، رغم شيوعه، بات قاصراً عن التعبير عن الواقع الحقيقي لدور هذه الإدارات، بل قد يُخفي أثرًا جوهريًا في صناعة الربح وحمايته واستدامته.

فالربحية، بمفهومها الحديث، لم تعد مجرد رقم يظهر في قائمة الدخل، وإنما نتيجة منظومة متكاملة من القرارات والسياسات والإجراءات التي تضمن الكفاءة، وتحد من المخاطر، وتحافظ على الأصول المادية وغير المادية للشركة.

من الإيراد إلى القيمة

الشركات التي تقيس النجاح فقط بحجم الإيرادات غالبًا ما تتجاهل سؤالًا أكثر عمقًا: كم كلفنا تحقيق هذا الإيراد؟ وكم نخاطر بخسارته؟

هنا تحديدًا تتجلى القيمة الحقيقية للإدارات المساندة، التي تعمل على تعظيم العائد الصافي عبر تقليل التكاليف، ورفع الإنتاجية، وحماية الأرباح من التآكل.

الموارد البشرية: استثمار في رأس المال الأهم

إدارة الموارد البشرية لا تبيع منتجًا ولا تبرم صفقة، لكنها تدير أهم أصل في الشركة: الإنسان.

على سبيل المثال، شركة تعاني من ارتفاع معدل دوران الموظفين ستتكبد تكاليف ضخمة في التوظيف والتدريب، إضافة إلى انخفاض الإنتاجية وفقدان المعرفة المؤسسية.

  • عندما تنجح الموارد البشرية في:
  • استقطاب الكفاءات المناسبة،
  • بناء أنظمة تقييم عادلة،
  • رفع الرضا الوظيفي،

فإنها عملياً تقلل التكاليف التشغيلية وتزيد من كفاءة الأداء، وهو ما ينعكس مباشرة على الربحية.

الشؤون القانونية والامتثال: أرباح محمية من الخطر.

قد يبدو دور الإدارة القانونية والامتثال غير ملموس يوميًا، لكنه يصبح حاسمًا عند وقوع الأزمات.

ففي القطاعات المنظمة – كالقطاع المالي أو الاستثماري – قد تؤدي مخالفة واحدة للوائح إلى:

غرامات مالية كبيرة، إيقاف نشاط، أو تشويه سمعة الشركة.

وجود إدارة امتثال فعالة يعني تقليل احتمالية هذه الخسائر، بل وتسهيل التوسع والنمو بثقة. وفي الواقع، كثير من الشركات فقدت أرباح سنوات بسبب إهمال هذا الجانب، بينما نجحت شركات أخرى في الحفاظ على استقرارها بفضل حوكمة قوية وإجراءات رقابية صارمة.

الإدارة المالية: صانع القرار الصامت

الإدارة المالية لا تقتصر على إعداد القوائم المالية، بل تمثل العقل التحليلي الذي يوجّه الموارد.

فعندما تقوم الإدارة المالية بتحسين إدارة التدفقات النقدية، أو إعادة هيكلة التكاليف، أو التفاوض على شروط أفضل مع الموردين، فإنها تحقق وفورات تعادل – وربما تفوق – أرباح صفقات بيع كاملة.

مثال ذلك: شركة تحقق مبيعات مرتفعة لكنها تعاني من ضعف السيولة. معالجة هذا الخلل قد تكون الفارق بين شركة رابحة على الورق، وشركة قادرة فعليًا على الاستمرار والنمو.

تقنية المعلومات: تمكين لا غنى عنه

في عصر التحول الرقمي، أصبحت إدارة تقنية المعلومات عنصرًا أساسيًا في تحقيق الكفاءة التشغيلية.

عندما تُطبق أنظمة إلكترونية فعالة لإدارة العمليات أو خدمة العملاء أو التقارير، فإنها:

تقلل الأخطاء البشرية، تسرّع اتخاذ القرار، وتخفض التكاليف الزمنية والتشغيلية.

وهذا التحول، وإن لم يولد إيرادًا مباشرًا، إلا أنه يرفع هامش الربح ويمنح الشركة قدرة تنافسية أعلى.

إدارة المخاطر والتدقيق الداخلي: الوقاية الأقل كلفة

يقال في عالم الإدارة: (الوقاية دائماً أقل كلفة من العلاج).

إدارة المخاطر والتدقيق الداخلي تعملان على اكتشاف الثغرات قبل أن تتحول إلى خسائر فعلية.

تقرير تدقيق واحد في الوقت المناسب قد يمنع: اختلاساً، سوء استخدام للموارد، أو قرارًا إداريًا خاطئًا عالي الكلفة.

السمعة المؤسسية: الربح غير الملموس

تلعب الإدارات المساندة دورًا أساسيًا في حماية سمعة الشركة، وهي أصل لا يظهر في القوائم المالية، لكنه يؤثر مباشرة على:

ثقة المستثمرين، قرارات العملاء، وتكلفة التمويل.

شركة ذات حوكمة قوية وإدارة داخلية فعالة غالبًا ما تحظى بتقييم أعلى، وقدرة أكبر على جذب الشراكات والاستثمارات.

من «مراكز تكلفة» إلى (مراكز قيمة)

الشركات الرائدة عالميًا لم تعد تنظر إلى الإدارات المساندة كمراكز تكلفة، بل كمراكز قيمة مضافة، وشركاء استراتيجيين في تحقيق الأهداف.

فالنجاح التشغيلي لا يُبنى في فراغ، بل تقف خلفه إدارات مساندة قوية تضمن الاستقرار والاستدامة.

 

وعليه،،،

قد لا تحقق الإدارات المساندة أرباحًا مباشرة، لكنها:

تحمي الأرباح من الضياع، ترفع كفاءتها، وتضمن استمراريتها على المدى الطويل.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى