بقلم/عمرو علاء
مسؤول مطابقة والتزام
في قاموس الفاشلين الجهات الرقابية هي الشماعة الجاهزة، وفي قاموس الدول العظمى هي العمود الفقري للاقتصاد
“دعونا نتوقف عن خداع أنفسنا هل يُعقل أن يكون الحكَم هو السبب الوحيد لخسارة المباراة دائماً؟”
الاتهام الجاهز وشماعة الفشل
دعونا نبدأ من الاتهام الأشهر “الجهات الرقابية تعطل الأعمال، تترصد الشركات، وتستهدف الناجحين”.
كلام يتردد كثيراً لكنه في الغالب لا يُقال بعد نجاح، بل بعد إخفاق، والحقيقة التي لا يحب البعض سماعها هي أن الرقابة لا تصنع الأزمات، بل تكشفها، ولا تطارد المجتهدين، بل تصل دائماً “متأخرة” إلى أخطاء كان يمكن تفاديها لو وُجد الانضباط.
تتعرض الجهات الرقابية لهجوم غير عادل، وتُنسج حولها روايات مبالغ فيها تصوّرها كخصم دائم للمؤسسات المالية، ومع تكرار هذه الروايات تحول “الرقيب” في أذهان البعض إلى شبح يهدد الاستثمار، بدلاً من كونه الركيزة الأساسية للاستقرار الاقتصادي.
الدور الجوهري: حماية لا ملاحقة
الحقيقة أبسط من كل ذلك، فالجهات الرقابية لم تُنشأ لتعطيل الأسواق أو تصيد الأخطاء بل دورها الجوهري هو حماية النظام المالي من الهزات المفاجئة وضمان عدالة المنافسة ومنع الاحتكار أو التلاعب وصون حقوق المساهمين والمتعاملين الصغار قبل الكبار والحفاظ على سمعة السوق أمام المستثمر المحلي والدولي.
في أي اقتصاد صحي تمثل الرقابة “صمام أمان” لا غنى عنه، فبدون قواعد واضحة ومراقبة صارمة تتحول الأسواق إلى بيئة فوضوية تهيمن عليها المصالح الضيقة.
الخرافة والواقع
الخرافة الأكثر انتشاراً هي “الاستهداف الشخصي”، هذه النظرة غالباً ما تكون محاولة للهروب من مواجهة فجوات داخلية في الإدارة أو الحوكمة، فالجهة الرقابية لا تتحرك بدافع شخصي، بل استناداً إلى مؤشرات، تقارير، ومخالفات موثقة بالأدلة.
المفارقة العجيبة أن نفس الأصوات التي تنتقد الرقابة وقت المخالفة، هي ذاتها التي تصرخ مطالبة بتشديدها فور وقوع أزمة أو انهيار شركة، عندها فقط يتساءلون: “أين كانت الجهات المعنية؟”
الرقابة تبدأ من الداخل
الجهات الرقابية ليست بديلاً عن الإدارة الرشيدة، هي خط دفاع خارجي بينما تبدأ الحماية الفعلية من “ثقافة الامتثال” داخل المؤسسة، فالشركة التي تطبق الحوكمة بصدق وتدير مخاطرها بوعي نادراً ما تجد نفسها في صدام مع الرقيب.
علاوة على ذلك، الرقابة القوية لا “تطرد” الاستثمار، بل “تجذبه”، فالمستثمر الواعي لا يبحث فقط عن الربح، بل عن بيئة عادلة وشفافة تضمن له استدامة أمواله.
الرقابة كرافعة استراتيجية للنمو المستدام
يجب أن نرتقي بنظرتنا للجهات الرقابية إلى ما هو أبعد من دور “الشرطي” ، الحقيقة الأعمق هي أن هذه الجهات هي مهندس البنية التحتية للثقة في الاقتصاد، لا يمكن لأي سوق أن ينمو بشكل مستدام إذا كان مبنياً على رمال متحركة من التلاعب وغياب الشفافية.
الجهات الرقابية هي التي تضع الأساسات الصلبة التي تسمح ببناء كيانات اقتصادية عملاقة، وليس مجرد مشاريع هشة، هي التي تحول السوق من ساحة للمضاربات الخطرة والمكاسب السريعة الزائلة، إلى بيئة جاذبة لرؤوس الأموال الاستراتيجية طويلة الأمد التي تبني اقتصادات الدول، وجود رقيب قوي لا يطرد الاستثمار، بل يجذبه، لأن المستثمر الواعي يبحث عن بيئة عادلة يضع فيها أمواله بثقة.
حصن الأمان في مواجهة المخاطر الحديثة
في عصرنا الحالي حيث تتطور الجريمة المالية وتتعقد أساليب الاحتيال مستفيدة من التكنولوجيا، يتعاظم دور الجهات الرقابية كحصن منيع لا غنى عنه، لم تعد المسألة مجرد مراجعة دفاتر تقليدية، بل أصبحت حرباً استباقية ضد مخاطر عابرة للحدود، من غسل الأموال الرقمي إلى تهديدات الأمن السيبراني المالي.
في هذه المعركة المعقدة، تقف الجهات الرقابية في الخطوط الأمامية، مسلحة بالتشريعات المتطورة وأدوات الرصد الحديثة، لتحمي ليس فقط أموال الأفراد، بل الأمن القومي الاقتصادي للدولة بأكملها.
غياب هذا الدور في توقيتنا الراهن لا يعني مجرد خسارة مالية، بل يعني انكشافاً كاملاً أمام عواصف لا ترحم.
عزيزي القارئ:
تخيل مدينة كاملة بلا إشارات مرور وبلا شرطة وبلا قانون، هل ستسميها حرية أم فوضى دموية؟
هذا بالضبط ما يحدث للاقتصاد حين ننزع عنه هيبة الرقابة، فيتحول من سوق واعد إلى غابة يأكل فيها الحيتان صغار الحالمين
حين تسمع من يحمل الجهات الرقابية مسؤولية فشله، اسأل نفسك: هل المشكلة في الرقابة أم في غياب الانضباط؟
الرقابة لا تخلق الأخطاء لكنها تكشفها، ولا تصنع الأزمات لكنها تمنع تفاقمها، الرقابة لا تهدم الاقتصاد، بل غيابها هو الذي يفعل.
“الأسواق التي تعيش بلا رقيب تموت بلا ضجيج“




