الدولار بدون ذهب: سر القوة المستمرة وتداعياته على الدينار الكويتي
بقلم/ د. علي عويد رخيص
خبير اقتصادي ومحاسبي
مؤسس ومدير عام – مكتب الواحة لتدقيق الحسابات
عضو في نكسيا
في عالم اقتصادي مضطرب، يواصل الدولار الأمريكي ترسيخ مكانته كأقوى عملة دولية، رغم مرور أكثر من خمسة عقود على تخلي الولايات المتحدة عن ربط عملتها بالذهب. هذا الواقع يطرح تساؤلاً جوهرياً: كيف تحافظ واشنطن على استقرار عملتها رغم قدرتها على إصدارها دون غطاء مادي؟ والأهم محلياً: كيف ينعكس ذلك على الاقتصاد الكويتي والدينار؟
من الذهب إلى «الثقة المنظمة»
تعود نقطة التحول إلى عام 1971، عندما أعلن الرئيس ريتشارد نيكسون قراره الشهير المعروف بـ«صدمة نيكسون»، منهياً بذلك نظام بريتون وودز. منذ ذلك الحين، أصبح الدولار عملة «فيات» تستمد قيمتها من الثقة في الاقتصاد الأمريكي ومؤسساته، وليس من احتياطي ذهبي.
لكن هذه «الثقة» ليست مفهوماً نظرياً مجرداً، بل منظومة متكاملة تقوم على قوة الاقتصاد الأمريكي، واستقلالية المؤسسات النقدية، وعمق الأسواق المالية.
إدارة نقدية تضبط الإيقاع
يقف الاحتياطي الفيدرالي (Fed) في قلب هذه المنظومة، حيث يدير المعروض النقدي بدقة عبر أدوات متعددة تشمل أسعار الفائدة والسيولة. وفي عام 2026، حافظ الفيدرالي على معدلات فائدة تتراوح بين 3.50% و3.75%، في إطار جهوده للسيطرة على التضخم الذي ظل قريباً من مستوى 3%.
هذه السياسة النقدية الدقيقة تحول إصدار الدولار من عملية عشوائية إلى معادلة مدروسة توازن بين النمو الاقتصادي واستقرار الأسعار.
الدولار.. عملة العالم الأولى
تكمن القوة الحقيقية للدولار في مكانته العالمية الفريدة:
* يشكل نحو 60% من احتياطيات البنوك المركزية حول العالم
* يُستخدم في تسعير النفط والسلع الاستراتيجية الأساسية
* يمثل العمود الفقري للتجارة والمعاملات الدولية
هذا الطلب العالمي المستمر يمتص أي زيادة في المعروض النقدي، ويمنع حدوث تضخم مفرط، مما يحافظ على قوته رغم غياب الغطاء الذهبي.
اقتصاد وأسواق تدعم العملة
يدعم الدولار أكبر اقتصاد في العالم، إلى جانب أعمق وأكثر الأسواق المالية سيولة، خاصة سوق سندات الخزانة الأمريكية. وفي أوقات الأزمات، يتحول الدولار إلى «ملاذ آمن» يلجأ إليه المستثمرون، مما يعزز قوته بدلاً من إضعافه.
الكويت في قلب المعادلة
رغم أن الدينار الكويتي غير مرتبط مباشرة بالدولار، إلا أنه مرتبط بسلة عملات يهيمن عليها الدولار بنسبة كبيرة. ويظهر هذا التأثير بوضوح في السياسة النقدية للبنك المركزي الكويتي، الذي يحرك أسعار الفائدة ضمن نطاق قريب جداً من الفيدرالي (حوالي 3.50% – 3.75%)، فيما يبلغ معدل KIBOR نحو 3.9%.
استقرار سعر الصرف والتضخم
يحافظ سعر صرف الدولار على استقرار ملحوظ عند حدود 0.306 دينار كويتي تقريباً. كما تسجل الكويت معدلات تضخم منخفضة نسبياً تتراوح بين 1.9% و2.2%، مقارنة بمستويات أعلى في الولايات المتحدة.
هذا الاستقرار يعكس كفاءة السياسة النقدية الكويتية، لكنه في الوقت نفسه مرتبط جزئياً بقوة الدولار واستقراره.
النفط.. الرابط الأعمق
يبقى النفط العامل الأبرز في هذه العلاقة، حيث يتم تسعيره بالدولار. وقوة العملة الأمريكية قد تؤثر على الطلب العالمي نسبياً، إلا أنها تحافظ في الوقت ذاته على القيمة الحقيقية للإيرادات النفطية الكويتية. وهذا يضع الاقتصاد الكويتي في معادلة دقيقة بين الاستفادة والتأثر.
من يقود المشهد؟
الواقع يشير إلى أن الكويت لا تتبع الدولار بشكل كامل، لكنها تتحرك ضمن نطاق تأثيره القوي. في عالم مالي مفتوح:
* قرارات الفائدة الأمريكية تنتقل بسرعة إلى الداخل الكويتي
* قوة الدولار تعزز استقرار الدينار
* والتقلبات العالمية تنعكس مباشرة على الاقتصاد المحلي
رأي الكاتب
في تقديري، لم يعد السؤال المطروح اليوم هو ما إذا كان الدولار سيبقى مهيمناً، بل إلى متى سيستمر هذا النموذج دون منافسة حقيقية. فالعالم يتجه تدريجياً نحو تعددية نقدية، سواء عبر صعود عملات كبرى أخرى أو من خلال العملات الرقمية السيادية (CBDC).
أما بالنسبة للكويت، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في فك الارتباط بالدولار، بل في تعزيز المرونة الاقتصادية وتقليل الاعتماد على النفط. هذا التنويع سيمنح السياسة النقدية مساحة أوسع للحركة في المستقبل.
إن الحفاظ على قوة الدينار الكويتي لا يعتمد فقط على استقرار سعر الصرف، بل على تنويع الاقتصاد وتعميق الأسواق المالية المحلية، وهو ما سيحدد موقع الكويت في النظام الاقتصادي العالمي القادم.



