كأس العالم 2026: بين التكلفة والعائد
بقلم/ د. محمد جميل الشبشيري
Elshebshiry@outlook.com
كأس العالم 2026 ليس مجرد بطولة كرة قدم، بل حدث اقتصادي وإعلامي ضخم يمتد أثره إلى السياحة، والإعلانات، والبث، والضيافة، والتجزئة، والخدمات اللوجستية. وتكمن أهميته في أنه يجمع بين جماهيرية رياضية هائلة وقدرة تجارية عالية، ما يجعله من أكثر الأحداث الرياضية تأثيراً على الاقتصاد العالمي حسب تقديرات FIFA ومنظمة التجارة العالمية المشتركة.
تكلفة التنظيم
تشير التقديرات إلى أن التكلفة المباشرة لتنظيم البطولة تبلغ نحو 13.9 مليار دولار، وتشمل تحديث الملاعب، وتعزيز الأمن، وتحسين النقل، وتجهيز مراكز الإعلام والبث، وإدارة الحشود والخدمات اللوجستية، وفقاً لدراسة مشتركة بين FIFA ومنظمة التجارة العالمية WTO
ورغم ضخامة الرقم، فإن وجود بنية تحتية رياضية متقدمة في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك يخفف من الحاجة إلى استثمارات تأسيسية ضخمة كما حدث في نسخ سابقة. وغالباً ما تتحمل الولايات المتحدة وحدها أكثر من 11 مليار دولار من هذا المبلغ، بينما تستقبل المدن المضيفه في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك آلاف الزوار والسيّاح.
مقارنة مع نسخ سابقة
للمقارنة، بلغت تكلفة تنظيم كأس العالم 2022 في قطر حوالي 220 مليار دولار، شملت معظمها بنية تحتية كبرى من قطارات ومطارات وملاعب جديدة، بينما ركّزت كندا والمكسيك والولايات المتحدة على تحديث الملاعب القائمة ما خفّض التكلفة المباشرة للبطولة نفسها.
في المقابل، حقّق مونديال روسيا 2018 عائدات إجمالية تقدر بـ 14 مليار دولار فقط، بينما توقّع مونديال البرازيل 2014 عائدات بـ 3.7 مليار دولار كحد أقصى، مما يشير إلى أن العوائد المباشرة غالباً لا تواكب التكاليف الكلية في معظم النسخ السابقة.
المخاطر والحدود
رغم الصورة الإيجابية، لا يخلو الحدث من مخاطر. فارتفاع التكاليف اللوجستية، وضغط الأمن، وتفاوت توزيع المنافع بين المدن والقطاعات، كلها عوامل قد تقلل من الأثر الصافي للبطولة.
كما أن الاعتماد المفرط على التقديرات المتفائلة قد يخلق انطباعاً مبالغاً فيه حول حجم العائد الحقيقي، خاصة إذا لم تُترجم الزيادة في الطلب إلى مكاسب طويلة الأجل بعد انتهاء البطولة. وفي بعض النسخ السابقة، خلفت الملاعب والبنية التحتية ما يُعرف بـ”الأفيال البيضاء” التي لم تُستخدم بعد انتهاء البطولة.
العائد الإعلامي
أحد أبرز محركات الربح في كأس العالم 2026 هو الإعلام، إذ تتحول البطولة إلى منصة عالمية لحقوق البث والرعاية والإعلانات الرقمية والتغطية اللحظية عبر المنصات الاجتماعية. ومع اتساع البطولة إلى 48 منتخباً و104 مباريات في 16 ملعباً، ترتفع كمية المحتوى والفرص التجارية المصاحبة لها، ما يعزز قيمة السوق الإعلامي المرتبط بها.
تعتزم FIFA تحقيق إيرادات تبلغ 13 مليار دولار للدورة المالية 2023–2026، وهو ما يمثل زيادة ملحوظة مقارنة بالمواسم السابقة. وتشير التقديرات الحديثة إلى أن الإنفاق الإعلاني المرتبط بالبطولة قد يتجاوز مئات الملايين من الدولارات، مدفوعاً بارتفاع المشاهدة وتزايد الاستهلاك الرقمي، وهو ما يرسخ مكانة المونديال كمنتج إعلامي ضخم بقدر ما هو حدث رياضي.
سلوك المستهلكين
من أهم تأثيرات البطولة أنها تغيّر سلوك الإنفاق لدى الجمهور. فمع ارتفاع نسب المتابعة، يزداد الطلب على خدمات المطاعم، والتوصيل، والمشروبات، والمنصات الرقمية، والمنتجات الرياضية، والأنشطة الترفيهية المنزلية.
تشير تقديرات إلى أن حوالي 70% من المتابعين يخططون لزيادة إنفاقهم خلال فترة البطولة، مما يجعل كأس العالم موجة استهلاك مؤقتة تدعم قطاعات متعددة. ويتوقع أن يتفاعل نحو 44% من المستهلكين في الولايات المتحدة مع البطولة بشكل مباشر أو غير مباشر، سواء عبر المشاهدة أو المتابعة الرقمية أو المشاركة في الفعاليات.
الاقتصاد والوظائف
على مستوى الاقتصاد الكلي، تقدر FIFA ومنظمة التجارة العالمية المكاسب المتوقعة بنحو 80.1 مليار دولار من خلال الإنفاق السياحي وحضور الفعاليات، وسيكون للولايات المتحدة بمفردها النصيب الأكبر منها بقيمة 30.5 مليار دولار، بينما سيؤول إلى بقية دول العالم 49.6 مليار دولار.
كما تساهم البطولة في زيادة الناتج المحلي الإجمالي للدول المستفيدة بما يقرب من 40.9 مليار دولار، من بينها 17.2 مليار دولار للولايات المتحدة، بالإضافة إلى تحقيق إيرادات حكومية تُقدر بـ 9.4 مليار دولار مُمثلة في الضرائب المباشرة وغير المباشرة.
تتوقع الدراسة أن تدعم البطولة نحو 824,000 وظيفة مباشرة وغير مباشرة خلال فترة الذروة، خاصة في قطاعات الضيافة، والنقل، والخدمات اللوجستية، والإنتاج الإعلامي. لكن هذه المكاسب لا تتوزع بالتساوي، إذ تستفيد بعض المدن والقطاعات أكثر من غيرها، بينما تبقى بعض الآثار قصيرة الأجل ومحدودة زمنياً.
هل هو استثمار ناجح؟
الإجابة الأقرب إلى الدقة هي: نعم، لكنه نجاح مشروط. فهو استثمار ناجح إذا قيس بحجم الأثر الاقتصادي والإعلامي والرمزي، لكنه ليس نجاحاً مضموناً إذا قيس بالعائد الصافي طويل الأجل على كل دولة أو مدينة مضيفة.
ففي المقابل، قدرت بعض التحليلات الإيرادات الناتجة عن البطولة بنحو 17 مليار دولار فقط، وهو فارق هائل يعكس أن العائد الاقتصادي المباشر لا يغطي سوى جزء بسيط من التكاليف الكاملة. فجزء كبير من القيمة يتحقق أثناء البطولة نفسها، بينما يبقى النجاح المستدام مرتبطاً بقدرة الدول المستضيفة على تحويل هذا الزخم إلى سياحة متكررة واستثمارات وبنية تحتية أكثر كفاءة.
الخلاصة
كأس العالم 2026 يثبت أن كرة القدم لم تعد مجرد لعبة، بل صناعة متكاملة تتقاطع فيها المصالح الرياضية والتجارية والإعلامية. وبين تكلفة تبلغ 13.9 مليار دولار وعوائد اقتصادية عالمية قد تتجاوز 80 مليار دولار، تبدو البطولة أقرب إلى تجربة اقتصادية ضخمة تختبر قدرة الرياضة على خلق قيمة مالية تتجاوز حدود الملعب.
يبقى السؤال الحقيقي ليس هل سيحقق المونديال حركة اقتصادية، بل من سيستفيد منها، وكم منها سيبقى بعد صافرة النهاية، خاصة أن بعض النسخ السابقة خلفت ما يُعرف بـ”الأفيال البيضاء” من بنية تحتية غير مستخدمة بعد انتهاء البطولة.



