بقلم: الخبيرة العقارية سبيكة محمد البحر
عن مجموعة سبيكة البحر وعماد الفرج العقارية — أعضاء في المجلس الدولي لمعايير التقييم (IVSC)
يشكّل صدور المرسوم بقانون رقم 114 لسنة 2026 بشأن التمويل العقاري لمستحقي الرعاية السكنية تطورًا مهمًا في مسار تنظيم التمويل السكني في دولة الكويت، ويفتح الباب أمام مرحلة جديدة تستحق الدراسة من منظور عقاري واقتصادي، خصوصًا فيما يتعلق بتعزيز القدرة الشرائية للمواطنين، ودعم نشاط التطوير العقاري، ورفع كفاءة المشاريع السكنية.
ولا تقتصر أهمية التمويل العقاري على توفير وسيلة لشراء المسكن أو بنائه، بل تمتد إلى دوره في تحريك قطاعات اقتصادية مترابطة، تشمل الإنشاءات والمقاولات ومواد البناء والخدمات الهندسية والتمويلية. ومن هنا، فإن تقييم أثر التشريع يتطلب النظر إلى المنظومة السكنية باعتبارها سلسلة متكاملة تبدأ من التمويل، مرورًا بتطوير الأراضي والمشاريع، وتنتهي بتوفير وحدات سكنية تلبي الاحتياجات الفعلية للمواطنين.
التمويل العقاري وتحفيز الطلب السكني
يمثل تنظيم التمويل السكني أحد العوامل التي يمكن أن تسهم في تحسين قدرة المستفيدين المؤهلين على اتخاذ قرارات الشراء أو البناء، خصوصًا عندما تكون مدد السداد واضحة، وشروط التمويل محددة، والإجراءات قابلة للتطبيق بكفاءة.
وقد أشار الخبر المنشورفي القبس بشأن التشريع إلى مدة سداد تصل إلى 25 عامًا، ضمن الضوابط المنظمة للتمويل. ومن شأن وجود إطار تمويلي واضح أن يساعد المستفيدين على التخطيط لالتزاماتهم المالية على المدى الطويل.
ومع ذلك، فإن زيادة القدرة التمويلية لا تعني بالضرورة ارتفاع الطلب على جميع أنواع العقارات؛ إذ يرتبط أثر القانون مباشرة بنطاق المستفيدين وشروط الاستحقاق والمنتجات السكنية المشمولة به.
ومن المهم التمييز بين السوق السكني الذي يستهدفه التشريع والأسواق الاستثمارية والتجارية، التي تتأثر بعوامل مختلفة، منها العائد الإيجاري، وتكلفة التمويل، والسيولة، والطلب الاستثماري.
هل ينعكس التمويل الجديد على أسعار العقارات؟
يُعد تأثير التمويل على الأسعار من أكثر الموضوعات أهمية بالنسبة إلى المتعاملين في السوق العقاري.
ومن الناحية الاقتصادية، قد يؤدي تحسن القدرة على التمويل إلى زيادة الطلب على بعض الوحدات السكنية. وإذا لم يقابل ذلك توسع مناسب في المعروض، فقد تنشأ ضغوط على الأسعار في بعض المواقع أو الفئات العقارية.
لذلك، لا يمكن الجزم بأن التشريع سيؤدي تلقائيًا إلى ارتفاع الأسعار؛ فالأثر الفعلي يتوقف على كيفية تطبيقه، وحجم التمويل المتاح، وشروط الاستفادة منه، ومدى استجابة المعروض السكني للطلب.
وتتطلب قراءة السوق في هذه المرحلة التمييز بين الزيادة الفعلية في الطلب والارتفاعات السعرية الناتجة عن التوقعات أو المضاربات، مع متابعة البيانات والمؤشرات العقارية بصورة مستمرة.
ما الذي ينبغي مراقبته خلال المرحلة المقبلة؟
* وضوح شروط الاستحقاق وآليات الحصول على التمويل.
* كفاءة الإجراءات المنظمة لصرف التمويل.
* قدرة المطورين على توفير وحدات سكنية مناسبة من حيث السعر والموقع والجودة.
* تطور الطلب الفعلي على الوحدات المشمولة بالتشريع.
* انعكاس التطبيق على تكلفة السكن والأسعار وتوافر المعروض.
* مستوى التنسيق بين الجهات الحكومية والجهات الممولة والمطورين العقاريين.
وتمثل هذه المؤشرات أساسًا لتقييم النتائج بعيدًا عن التوقعات المبكرة، وتساعد على تحديد ما إذا كان التشريع سيحقق أهدافه السكنية والاقتصادية على أرض الواقع.
التمويل وحده لا يصنع سوقًا عقاريًا مستدامًا
من واقع متابعة تطورات السوق العقاري، أرى أن التمويل يمثل أداة مهمة، لكنه ليس العامل الوحيد الذي يحدد نجاح المنظومة السكنية.
فالسوق المستدام يحتاج إلى تخطيط واضح، ومعروض مناسب، ومطورين يمتلكون القدرة على تنفيذ مشاريع مدروسة، إلى جانب تنظيم يحفظ حقوق المستفيدين ويعزز الثقة بين جميع الأطراف.
كما أن التوسع في التمويل يجب أن يترافق مع دراسة دقيقة للطلب والتكاليف، حتى لا تتحول زيادة القدرة الشرائية إلى ضغوط سعرية لا يقابلها تحسن مماثل في توافر الوحدات السكنية.
بالختام
إن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من التركيز على أدوات التمويل وحدها إلى تقييم المنظومة السكنية المتكاملة، بما يضمن تحقيق التوازن بين احتياجات المواطنين، وكفاءة التطوير العقاري، والاستدامة الاقتصادية. يمثل تنظيم التمويل السكني فرصة مهمة لتطوير العلاقة بين التمويل والطلب والتطوير العقاري في الكويت. غير أن نجاح هذه الخطوة سيعتمد على كفاءة التطبيق، ووضوح الضوابط، وقدرة السوق على توفير منتجات سكنية تتناسب مع احتياجات المستفيدين.




