مقالات

ذممك الدائنة والمدينة.. من يمول من؟

سلسلة «ميزانيتك لا تكذب.. لكنها لا تقول كل الحقيقة»

 

إعداد: د. علي عويد رخيص – مراقب حسابات 72 أ – مكتب الواحة – عضو Nexia England

رئيس لجنة المراقبين القانونيين في جمعية المحاسبين والمراجعين الكويتية

 

المقدمة

شركة أو مؤسسة أو جمعية أرباحها 500 ألف.. لكنها مدينة بـ3 مليون!

فمثلا شركة أو مؤسسة أو جمعية تعاونية تعلن: صافي ربح 500 ألف دينار. الجمعية العمومية تصفق.

لكن في نفس الميزانية: ذمم دائنة للموردين 3 مليون دينار، وذمم مدينة (عملاء وموظفون) 800 ألف دينار.

السؤال البسيط الذي لا يسأله أحد: هل ربحت الشركة أو المؤسسة أو الجمعية 500 ألف؟ أم أنها عاشت السنة كلها بفلوس الموردين؟

لو طلب الموردون فلوسهم غداً، هل عندك سيولة تسدد؟

هذا المقال يكشف جانباً مهماً من أكبر الأسئلة التي يجب أن تُطرح عند قراءة الميزانية: ليس فقط كم ربحت المنشأة، بل من موّل نشاطها، وكم من أرباحها تحول فعلاً إلى نقد.

الحقيقة الأولى: موردك قد يكون ممولك الأكبر.. من دون أن يظهر اسمه في قائمة القروض

في الشركات أو المؤسسات العادية، عندما تشتري بضاعة بـ100 ألف وتسدد بعد 90 يوماً، فإن الائتمان التجاري يوفر لك تمويلاً قصير الأجل.

وفي الجمعيات الكويتية قد تمتد آجال السداد لفترات طويلة بحسب طبيعة النشاط وشروط الموردين.

المعادلة المهمة:

متوسط التمويل التجاري = المشتريات السنوية × متوسط فترة السداد ÷ 360

مثال:

إذا كانت مشترياتك السنوية 6 ملايين دينار، ومتوسط الدفع 120 يوماً:

6,000,000 × 120 ÷ 360 = 2,000,000 دينار.

أي أن نشاطك يستفيد في المتوسط من تمويل تجاري يقارب مليوني دينار من الموردين.

هذا المبلغ لا يظهر عادةً كـ«قرض» في الميزانية؛ بل يظهر ضمن الذمم الدائنة التجارية. لكنه يمثل مصدراً مهماً للتمويل قصير الأجل.

وهنا تبدأ المشكلة: إذا أصبحت المنشأة تعتمد بصورة كبيرة على تأخير السداد، فإن أي تغيير في شروط الموردين قد يتحول بسرعة إلى أزمة سيولة.

ومع IFRS 7، يجب النظر إلى مخاطر السيولة وإدارة آجال الاستحقاق بجدية، لا الاكتفاء برقم الذمم الدائنة في الميزانية.

الحقيقة الثانية: الذمم المدينة.. هل هي أموال أم أرباح لم تُقبض؟

الجانب الآخر هو الذمم المدينة.

قد تبيع المنشأة بالأجل لموظفين أو عملاء أو جهات أخرى، فتظهر في الميزانية ذمم مدينة بمئات الآلاف.

لكن السؤال الملح ليس: كم تبلغ الذمم؟

لكن  الأهم: كم منها نتوقع تحصيله فعلاً؟

وفق IFRS 9، لا ينبغي انتظار وصول الدين إلى مرحلة « المعدوم» حتى تبدأ المنشأة في الاعتراف بمخاطر الائتمان. ويعتمد نموذج الخسائر الائتمانية المتوقعة ECL على تقدير الخسائر المتوقعة، مع الاستفادة من الخبرة التاريخية والظروف الحالية والتوقعات المستقبلية المعقولة والقابلة للدعم.

وبالنسبة للذمم التجارية التي تنطبق عليها متطلبات المنهج المبسط، يتم الاعتراف بالخسائر الائتمانية المتوقعة على مدى العمر.

لذلك، فإن وجود ذمم مدينة بقيمة 500 ألف دينار لا يعني بالضرورة أن الأصل الاقتصادي يساوي 500 ألف؛ فقد تكون القيمة القابلة للتحصيل أقل بعد احتساب الخسائر الائتمانية المتوقعة.

IFRS 18.. ليس لصناعة الأرباح، بل لكشف طريقة عرضها وتصنيفها

IFRS 18 لن يخلق أرباحاً جديدة ولن يلغي أرباحاً قائمة لمجرد تغيير طريقة العرض، لكنه قد يجعل صورة الأداء المالي أكثر وضوحاً عند تصنيف الإيرادات والمصروفات ضمن الفئات التي حددها المعيار.

ولهذا يجب الحذر من التعميم بأن كل خصم من المورد أو حافز شراء سيذهب تلقائياً إلى بند معين. فالتصنيف يعتمد على طبيعة العملية وشروطها والظروف ذات الصلة.

أما الرسالة الأهم فهي:

«IFRS 18 لا يصنع الأرباح ولا يمحوها؛ لكنه قد يكشف للمستخدم من أين جاءت الأرباح وكيف يجب عرضها وتصنيفها.»

فإذا كانت المنشأة تفتخر بهامش تشغيلي مرتفع، فمن المشروع أن يسأل مستخدم القوائم: هل هذا الهامش ناتج أساساً عن النشاط التشغيلي الأساسي، أم أن هناك عناصر أخرى مؤثرة في الصورة المعروضة للأداء؟

وهنا تصبح جودة العرض والإفصاح جزءاً مهماً من جودة التحليل المالي.

الربح الذي لا يتحول إلى نقد.. هل هو ربح مريح؟

قد تقول الإدارة: حققنا 500 ألف دينار أرباحاً.

السؤال الذي يجب أن يأتي مباشرة:

كم من هذه الأرباح دخل البنك فعلاً؟

إذا ارتفعت الأرباح 500 ألف دينار، بينما ارتفعت الذمم المدينة 400 ألف، وارتفعت الذمم الدائنة 1.5 مليون، فلا يكفي أن نحتفل بالربح.

يجب أن نسأل:

هل تحسن الأداء التشغيلي فعلاً، أم أن السيولة تحسنت مؤقتاً لأن الموردين موّلوا النشاط؟

هنا تظهر أهمية الربط بين قائمة الدخل والميزانية وقائمة التدفقات النقدية.

الربح يخبرك بما تحقق محاسبياً، أما التدفق النقدي فيخبرك بما دخل وخرج فعلياً.

الحل العملي: 3 تقارير تطلبها الليلة من محاسبك

التقرير الأول: تقرير أعمار الذمم الدائنة Ageing

جدول يتضمن: المورد، إجمالي المديونية، من 0–30 يوماً، 31–60، 61–90، وأكثر من 90 يوماً.

لا تنظر فقط إلى إجمالي الذمم؛ انظر إلى تركّزها وأعمارها ومدى توافقها مع شروط التعاقد والسياسة الائتمانية للموردين.

التقرير الثاني: تقرير أعمار الذمم المدينة + ECL

نفس الفكرة، لكن مع تحليل قابلية التحصيل واحتساب الخسائر الائتمانية المتوقعة وفق IFRS 9، بدلاً من انتظار تحول الدين إلى «معدوم».

التقرير الثالث: مؤشر التمويل التجاري

= الذمم الدائنة التجارية ÷ المشتريات السنوية × 360

والنتيجة التقريبية تعطي مؤشراً على عدد الأيام التي يمول فيها الموردون جزءاً من دورة النشاط.

لكن لا توجد قاعدة عالمية تقول إن أقل من 60 يوماً جيد دائماً أو أن أكثر من 150 يوماً خطر دائماً؛ فالنتيجة يجب أن تقارن بطبيعة النشاط وشروط السوق وسياسة المنشأة وتاريخها.

خمسة أسئلة تكشف منطقة الخطر

إذا كانت الإجابة «نعم» على ثلاثة أسئلة أو أكثر، فهناك مؤشرات تستحق التحقيق والتحليل:

1- هل الذمم الدائنة تنمو أسرع من المبيعات؟

2- هل متوسط فترة سداد الموردين يتجاوز السياسة المعتمدة أو الشروط التعاقدية؟

3- هل الذمم المدينة تنمو أسرع من المبيعات؟

4- هل الأرباح ترتفع بينما التدفقات النقدية التشغيلية تنخفض؟

5- هل تعتمد المنشأة بدرجة كبيرة على عدد محدود من الموردين؟

هذه الأسئلة لا تعني تلقائياً وجود مشكلة، لكنها تساعد مجلس الإدارة والإدارة المالية والمدقق على تحديد الأماكن التي تستحق فحصاً أعمق.

ماذا يجب أن تفعل الإدارة؟

1- ضع سياسة سداد واضحة ومتوافقة مع التدفقات النقدية وشروط الموردين.

2- تفاوض على الخصومات المبكرة عندما يكون العائد الاقتصادي للخصم أفضل من تكلفة الاحتفاظ بالنقد.

3- راقب الذمم المدينة بصورة دورية، ولا تنتظر حتى تتراكم الديون المتأخرة.

4- اربط تقارير المبيعات والتحصيل والمشتريات والسداد بالتدفقات النقدية.

5- راجع تركّز الموردين والعملاء، لأن الاعتماد المفرط على طرف واحد قد يتحول إلى خطر تشغيلي وتمويلي.

6- اجعل قرارات الائتمان والمخصصات مبنية على بيانات وتحليل، لا على الانطباع فقط.

الخاتمة: من موّل الربح؟ وكم منه تحول إلى نقد؟

الميزانية التي تظهر ذمماً دائنة ضخمة ليست بالضرورة قوية؛ فقد تكون منشأة يمولها موردوها.

والميزانية التي تظهر ذمماً مدينة ضخمة ليست بالضرورة غنية؛ فقد تكون منشأة باعت كثيراً ولم تقبض.

والأرباح وحدها لا تكفي للحكم على قوة المنشأة.

السؤال الحقيقي ليس: كم ربحت؟

بل: من موّل هذا الربح؟ وكم منه تحول إلى نقد؟

فالربح رقم في قائمة الدخل… أما السيولة فهي اختبار القدرة على الاستمرار.

وفي النهاية، الميزانية لا تكذب.. لكنها لا تقول كل الحقيقة إلا لمن يعرف كيف يقرأ ما بين أرقامها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى