مقالات

معضلة الرؤساء التنفيذيين مع AI: هل أصبح الحذر هو الخطر الأكبر؟

 

بقلم/ د. محمد جميل الشبشيري
Elshebshiry@outlook.com

 

إذا أردت أن تعرف ما يدور في أذهان قادة الأعمال حول العالم، فما عليك سوى النظر إلى المسح العالمي للرؤساء التنفيذيين الذي تصدره سنويا PwC ( PricewaterhouseCooper).

هذا العام، تعكس النتائج صورة دقيقة لمفارقة غريبة: تراجع في الثقة قصيرة الأجل، يقابله اندفاع استراتيجي نحو إعادة الابتكار.

في عام 2022، كان أكثر من نصف الرؤساء التنفيذيين (56%) يثقون بثقة كبيرة في نمو إيرادات شركاتهم. اليوم، تراجعت هذه النسبة إلى 30% فقط. هذا التراجع ليس مجرد تشاؤم، بل هو اعتراف بواقع عالمي أكثر تقلباً، حيث تتصاعد المخاطر الملموسة. على سبيل المثال، ارتفعت نسبة الرؤساء التنفيذيين الذين يتوقعون خسائر مالية كبيرة بسبب المخاطر السيبرانية إلى 31%، بعد أن كانت 24% في العام الماضي.

الخلاصة واضحة: القادة أصبحوا أكثر واقعية بشأن التحديات، لكن هذا الواقعية لا تعني التوقف. غير أن الإصدار التاسع والعشرين، المنشور عام 2026 استناداً إلى بيانات جُمعت بين 30 سبتمبر و10 نوفمبر 2025، يبدو أكثر وضوحاً وصراحة من أي وقت مضى. فهو لا يكتفي بوصف القلق العالمي، بل يكشف عن معضلة جوهرية: الحذر الذي كان يوماً فضيلة إدارية، يتحول اليوم إلى خطر استراتيجي

 

الذكاء الاصطناعي: الوعد الذي لم يتحقق بعد

الذكاء الاصطناعي هو الكلمة السحرية التي يتحدث عنها الجميع، لكن مسح PwC يكشف عن فجوة هائلة بين “الضجيج” و ”النتائج”.

رغم أن الذكاء الاصطناعي يتصدر قائمة الأولويات، فإن العائد المالي ما يزال محدوداً على نطاق واسع. الأرقام لا تكذب:

* %56 من الشركات لم تحقق لا زيادة في الإيرادات ولا خفضاً في التكاليف بفضل الذكاء الاصطناعي.

* فقط 12% من الشركات هي التي نجحت في تحقيق الأثرين معاً (زيادة الإيرادات وخفض التكاليف).

هذه الأرقام تقول لنا إننا ما زلنا في المرحلة التأسيسية لعصر الذكاء الاصطناعي. الشركات الكبرى لم تكتشف بعد “الوصفة السحرية” لدمج الذكاء الاصطناعي في صميم استراتيجياتها. القيمة الحقيقية لن تتحقق من خلال تجارب معزولة، بل من خلال نشر مؤسسي متكامل يغير طريقة عمل الشركة بالكامل.

في عالم يتغير بسرعة، لم يعد البقاء في “منطقة الراحة” هو الخيار الآمن. يكشف المسح أن 42% من الشركات بدأت بالفعل المنافسة في قطاعات جديدة خلال السنوات الخمس الماضية. والأهم من ذلك، أن هذا التوجه ليس مجرد مغامرة، بل هو طريق للربح.

الشركات التي تحقق نسبة أعلى من إيراداتها من قطاعات جديدة تسجل هوامش ربح أعلى، كما أن قادتها يظهرون مستويات ثقة أعلى في آفاق النمو. هذا الاتجاه يتسارع، حيث يتوقع 44% من الرؤساء التنفيذيين الذين يخططون لعمليات استحواذ كبرى أن تكون هذه الصفقات خارج قطاعاتهم الحالية.

الرسالة هنا: النمو لم يعد محصوراً داخل حدود الصناعة التقليدية. القادة الناجحون هم من يرون السوق كـ “محيط مفتوح” يمكن الإبحار فيه بأي اتجاه.

الثمن الباهظ للتردد: تكلفة الانتظار

في ظل حالة عدم اليقين الجيوسياسي وعودة الحمائية (حيث يتوقع 29% أن تؤدي الرسوم الجمركية إلى تآكل هوامش أرباحهم)، يميل بعض القادة إلى “تجميد” القرارات الكبرى.

لكن PwC تحذر من أن هذا الحذر المفرط هو في الواقع استراتيجية مكلفة جداً. الشركات “الحذرة”، التي تمثل نحو 15% من العينة، تدفع ثمناً باهظاً لترددها:

* معدل نمو أقل بنحو نقطتين مئويتين مقارنة بالشركات الديناميكية.

* هوامش ربح أدنى بنحو 3 نقاط مئوية.

هذا يثبت أن الخطر الحقيقي ليس في اتخاذ قرار جريء ومحسوب، بل في تأجيل القرارات الكبرى بدعوى عدم اليقين. في هذا العصر، التردد هو الاستراتيجية الأكثر تكلفة.

الابتكار والثقة: أصول استراتيجية لا ترفيه

رغم أن 50% من الرؤساء التنفيذيين يصفون الابتكار بأنه “محوري” لاستراتيجيتهم، فإن الواقع يكشف عن فجوة بين القول والفعل. أقل من 25% يطبقون ممارسات أساسية للابتكار، مثل تقبل المخاطر العالية أو إيقاف المشروعات ضعيفة الأداء.

في المقابل، تظهر البيانات أن الأقلية التي تتبنى الابتكار المنهجي تحقق نمواً وربحية أعلى. الابتكار ليس مجرد شعار، بل هو نظام عمل متكامل.

يرتبط الابتكار ارتباطاً وثيقاً بـ الثقة. فقد أقر 66% من الرؤساء التنفيذيين بظهور مخاوف تتعلق بثقة أصحاب المصلحة (سواء حول الذكاء الاصطناعي، الخصوصية، أو المناخ). الشركات التي نجحت في بناء هذه الثقة، وحافظت على سمعتها، حققت عوائد إجمالية للمساهمين أعلى بنحو 9 نقاط مئوية خلال 12 شهراً. الثقة، إذن، هي أصل اقتصادي استراتيجي لا يمكن تجاهله.

الخلاصة: تكلفة الانتظار

رسالة مسح PwC لهذا العام واضحة وقوية: في عالم يتسم بالتقلبات الاقتصادية، وتصاعد المخاطر، والتغيرات التكنولوجية العميقة، فإن الديناميكية المدروسة تتفوق على الحذر المفرط.

الشركات التي تستثمر بعمق في الذكاء الاصطناعي، وتخترق حدود القطاعات، وتبني قدرات ابتكارية حقيقية، وتتعامل مع الثقة كأصل استراتيجي، هي التي تحقق نمواً وربحية أعلى، رغم الضبابية.

وفي النهاية، لم يعد السؤال المطروح على القيادات هو: كم تبلغ المخاطر؟

بل أصبح: كم تبلغ تكلفة الانتظار؟ هذا هو السؤال الذي يجب أن يطرحه كل رئيس تنفيذي على نفسه اليوم.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى