بقلم: تــامر عبدالعزيز
أمين سر – مدير إدارة الموارد البشرية.
-
ما بين مؤيد ومعارض، وحاجة العمل تفرض.
في مقال اليوم نلقي الضوء على موضوع شائك يحتمل القبول والرفض، وبناءً على كثير من بيئات العمل، بات مشهد الموظف الذي يرسل رسائل أو بريد الكتروني خارج مواعيد الدوام الرسمية أو خلال أيام العطلات، أمراً شبه طبيعي. مع العلم عدم وجود داعي أو يمكن تأجيل ما يتم إرساله خلال أوقات العمل الرسمية، وهل هو تملق لإثبات التفانٍ والاجتهاد المهني، بينما يراه آخرون سلوكاً مقلقاً يفتح الباب لفوضى إدارية، وضغط غير عادل، وتشويه لمفهوم الالتزام الوظيفي.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل العمل خارج أوقات الدوام قيمة مضافة حقيقية، أم ممارسة تحمل آثاراً سلبية على الموظف والمؤسسة معاً؟
-
بين الالتزام وسوء التنظيم:
في الأصل، وُضعت ساعات العمل الرسمية لتحقيق توازن بين متطلبات الإنتاج وحقوق الموظف. وعندما يتحول العمل خارج هذه الساعات إلى ممارسة شبه يومية، فإن ذلك غالباً لا يعكس اجتهاداً فردياً بقدر ما يكشف خللاً في إدارة الوقت، أو ضعفاً في التخطيط، أو سوء توزيع للمهام.
-
فالعمل الإضافي المستمر قد يكون مؤشراً على:
* تضخم المهام مقارنة بالموارد.
* اجتماعات غير فعالة تستهلك وقت الدوام.
* غياب الأولويات الواضحة
* ثقافة إدارية تمجّد “الانشغال” بدل الإنجاز.
وفي هذه الحالة، لا يكون الموظف هو المستفيد، ولا المؤسسة رابحة على المدى الطويل.
-
التأثير على الموظف: إرهاق صامت.
قد يحقق العمل خارج الدوام نتائج سريعة في المدى القصير، لكنه غالبًا ما يترك أثراً تراكميًا سلبياً على الموظف. الإرهاق، تراجع التركيز، الاحتراق الوظيفي، واختلال التوازن بين الحياة والعمل، كلها نتائج محتملة عندما يصبح تجاوز الدوام قاعدة لا استثناء.
الخطورة هنا أن الموظف قد يواصل هذا النمط بدافع الخوف من فقدان التقدير، أو الرغبة في إثبات الذات، أو مجاراة ثقافة غير معلنة داخل المؤسسة.
التأثير على زملاء العمل وثقافة الفريق
المشكلة لا تتوقف عند الفرد. فحين يعتاد بعض الموظفين العمل خارج أوقات الدوام، ينشأ ضغط غير مباشر على بقية الفريق.
يبدأ الآخرون في الشعور بأن الالتزام بساعات العمل الرسمية لم يعد كافيًا، وأن عليهم مجاراة هذا السلوك حتى لا يُنظر إليهم كأقل التزامًا، حتى وإن أنجزوا مهامهم بكفاءة.
وهكذا تتحول المبادرة الفردية إلى معيار قسري، وتختل العدالة، وتضعف الروح الجماعية، ويبدأ الاحتقان داخل بيئة العمل.
-
اجتهاد مهني أم تملّق إداري؟
السؤال المهم هنا: متى يكون العمل خارج الدوام اجتهادًا، ومتى يتحول إلى تملّق؟
الفرق لا يُقاس بعدد الساعات، بل بالدافع والنتيجة.
الاجتهاد المهني يكون مرتبطًا بهدف واضح، ونتيجة ملموسة، وضرورة حقيقية.
أما التملّق، فيظهر عندما يصبح العمل خارج الدوام وسيلة للظهور، أو لكسب رضا المسؤولين، أو لإظهار تفانٍ شكلي لا يقابله أثر حقيقي على الأداء.
هذا النوع من السلوك لا يضر فقط بزملاء العمل، بل يضع الإدارة نفسها أمام صورة مضللة عن حجم الجهد المطلوب، ويؤدي إلى قرارات غير واقعية في التخطيط والتحميل الوظيفي.
وهل يحب المسؤولون هذا السلوك فعلًا؟
قد يظن البعض أن المدراء يفضلون الموظف المتاح في كل وقت، لكن الواقع أكثر تعقيداً.
القيادي المحترف تفضل التجاوب عند الطلب، وهذا لا يكون بشكل مستمر وهذا مقبول جداً.
كما يدرك المسؤول أن العمل المستمر خارج الدوام:
* قد يشير إلى ضعف كفاءة تنظيم الوقت
* يخلق توقعات غير صحية
* ويؤدي إلى إرهاق الكفاءات على المدى المتوسط
كثير من المسؤولين لا يعلنون انزعاجهم من هذا السلوك، لكنهم يدركون أن الإنتاجية المستدامة لا تُبنى على استنزاف الموظفين، بل على وضوح المهام، واحترام الوقت، وقياس النتائج.
-
الحالات الاستثنائية… متى يكون العمل خارج الدوام مبرراَ؟
رغم كل ما سبق، لا يمكن إنكار وجود حالات استثنائية ضرورية يتطلب فيها العمل خارج أوقات الدوام، مثل:
* الأزمات الطارئة
* الأعطال الحرجة
* المشاريع ذات الجداول الزمنية الضيقة
* مهام محددة بزمن واضح وتأثير مباشر
لكن الفارق الجوهري أن هذه الحالات:
* تكون مؤقتة لا دائمة
* واضحة ومعلنة
* ومصحوبة بتقدير أو تعويض عادل
الاستثناء المقبول لا يتحول إلى ثقافة مستمرة.
دور الإدارة في ضبط المشهد
المسؤولية الأكبر تقع على عاتق الإدارة، من خلال:
تحديد ساعات تواصل واضحة
عدم تمجيد العمل المفرط
مكافأة الإنجاز لا عدد الساعات
حماية الموظفين من الضغط غير المعلن
فالإدارة التي لا تضبط هذا السلوك، تساهم – ولو دون قصد – في خلق بيئة عمل مرهقة وغير عادلة.





