مقالات

كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يعزز مكانة بورصة الكويت إقليمياً وعالمياً؟

من «التداول التقليدي» إلى «البورصة الذكية»:

 

بقلم – م. محمد عباس
مسؤول إقليمي سابق لنظم المعلومات بالبنك الدولي والأمم المتحدة
ومستشار الذكاء الاصطناعي

moh148@gmail.com

الجزء الأول: البُعد المحلي (1/3)

مقدمة: إرث ريادي يستحق التعزيز

تحتل بورصة الكويت مكانة تاريخية فريدة في المنطقة العربية والخليجية، إذ تُعد أقدم بورصة في منطقة الخليج العربي، حيث يعود تاريخ التداول المنظم للأوراق المالية في الكويت إلى عام 1952، أي قبل أكثر من سبعة عقود. هذا الإرث الريادي يمنح الكويت ميزة تنافسية معنوية وتاريخية لا تتوفر لدى أي سوق مالي آخر في دول مجلس التعاون الخليجي.

في عام 1977، تأسس سوق الكويت للأوراق المالية رسمياً كأول سوق مالي منظم في المنطقة، ليكون نموذجاً احتذت به الأسواق الخليجية الأخرى لاحقاً. ومنذ ذلك الحين، شهدت البورصة محطات تاريخية بارزة، بما فيها أزمة سوق المناخ الشهيرة عام 1982 التي شكّلت درساً قاسياً لكنه أسهم في تطوير الأطر التنظيمية والرقابية.

في عام 2016، شهدت البورصة تحولاً جوهرياً بخصخصتها وتحويلها إلى شركة مساهمة مقفلة، ثم إدراجها في السوق الرئيسي عام 2020، لتصبح «بورصة الكويت» كياناً تجارياً حديثاً يجمع بين العراقة والتطور. هذا التحول المؤسسي مهّد الطريق لانضمام الكويت إلى مؤشرات عالمية مرموقة مثل «MSCI» و«FTSE Russell» للأسواق الناشئة.

اليوم، ومع التحولات المتسارعة في الأسواق المالية العالمية، نطرح تساؤلاً استراتيجياً: كيف يمكن لهذا الإرث الريادي أن يتعزز بتبني تقنيات الذكاء الاصطناعي؟ وما الفرص المتاحة لرفع تصنيف بورصة الكويت إقليمياً وعالمياً؟

من أجل فهم أعمق لهذا الملف وتأثيراته المتشعبة، نخصص هذه السلسلة من المقالات التحليلية المكونة من ثلاثة أجزاء:

الجزء الأول (هذا المقال): نركز فيه محلياً على بورصة الكويت، لتقييم الوضع الراهن، والفرص المتاحة لتوظيف الذكاء الاصطناعي.

الجزء الثاني: سننتقل فيه إلى البُعد الإقليمي، لرصد تجارب البورصات الخليجية والعربية في تبني التقنيات الحديثة.

الجزء الثالث: سنختتم السلسلة بالبُعد الدولي، لاستقراء التجارب العالمية الرائدة واستخلاص الدروس المستفادة.

 

الوضع الراهن: قراءة في المؤشرات والمكانة

البنية التحتية التقنية

شهدت بورصة الكويت خلال السنوات الأخيرة تطورات ملموسة في بنيتها التقنية. نظام التداول «NASDAQ» المُطبّق يُعد من أحدث الأنظمة عالمياً، ويوفر سرعة تنفيذ عالية وموثوقية تشغيلية. كما أطلقت البورصة منصة «KSE Mobile»  للتداول عبر الهواتف الذكية، إضافة إلى خدمات إلكترونية متنوعة للمستثمرين.

على صعيد هيكل السوق، تتضمن بورصة الكويت ثلاثة أسواق رئيسية: السوق الأول (Premier)، والسوق الرئيسي (Main)، وسوق المزادات (Auction)، مما يوفر تنويعاً يخدم شرائح مختلفة من الشركات المدرجة. كما أُطلق «سوق OTC» للتداول خارج المقصورة، مما يعزز عمق السوق وسيولته.

المكانة في المؤشرات الدولية

حققت بورصة الكويت إنجازاً استراتيجياً بترقيتها إلى مؤشر «MSCI» للأسواق الناشئة في عام 2020، وهي خطوة عززت تدفق الاستثمارات الأجنبية. كذلك، تم إدراجها ضمن مؤشر «FTSE Russell» للأسواق الناشئة. هذه الترقيات تعكس الثقة الدولية في البنية التنظيمية والتشغيلية للسوق الكويتي.

وفقاً لتصنيفات الاتحاد العالمي للبورصات (WFE)، تحتل بورصة الكويت مكانة متوسطة عالمياً من حيث القيمة السوقية وأحجام التداول. وعلى المستوى الخليجي، تأتي في المرتبة الرابعة من حيث القيمة السوقية بعد السعودية (تداول) والإمارات (أبوظبي ودبي) وقطر، وهو ترتيب يعكس حجم الاقتصاد الكويتي النسبي، لكنه يُظهر أيضاً فرصاً للتحسين في مؤشرات أخرى كالسيولة وعمق السوق.

فرص التحسين: أين تكمن الفجوات؟

أولاً: السيولة وأحجام التداول

رغم التطور الملحوظ، تظل معدلات السيولة في بورصة الكويت دون المستويات المُثلى مقارنة ببعض الأسواق الخليجية. معدل الدوران السنوي (Turnover Ratio) يُشير إلى وجود فرصة لتعزيز نشاط التداول، سواء عبر جذب شريحة أوسع من المستثمرين الأفراد أو زيادة مشاركة المؤسسات الاستثمارية.

ثانياً: تنويع المنتجات المالية

تركّز البورصة حالياً على الأسهم بشكل رئيسي، مع محدودية نسبية في المنتجات المالية المشتقة وصناديق المؤشرات المتداولة (ETFs). توسيع قاعدة المنتجات يمثل فرصة استراتيجية لجذب شرائح جديدة من المستثمرين وتعزيز عمق السوق.

 

ثالثاً: التحول الرقمي المتقدم

بينما تمتلك البورصة بنية تقنية جيدة جدا للتداول، هناك فرصة لتعميق التحول الرقمي في مجالات تحليل البيانات، وخدمة العملاء الذكية، والرقابة الآلية على التداولات. هذا هو المجال الذي يمكن للذكاء الاصطناعي أن يُحدث فيه فارقاً نوعياً.

الذكاء الاصطناعي: الرافعة الاستراتيجية

كيف يخدم الذكاء الاصطناعي البورصة ومكوناتها؟

أولاً: تعزيز الرقابة والامتثال (RegTech)   

يمكن لخوارزميات الذكاء الاصطناعي أن تُحدث نقلة نوعية في قدرات الرقابة على السوق. أنظمة «المراقبة الذكية» (AI-Powered Surveillance) قادرة على رصد أنماط التداول المشبوهة في الوقت الفعلي، واكتشاف محاولات التلاعب بالأسعار أو التداول الداخلي (Insider Trading) بدقة تفوق الأنظمة التقليدية.

شركات مثل «Nasdaq» و«London Stock Exchange Group» تستخدم فعلياً هذه التقنيات، ويمكن لبورصة الكويت الاستفادة من شراكات استراتيجية لتبني حلول مماثلة، مما يعزز ثقة المستثمرين ويرفع تصنيف السوق في مؤشرات الحوكمة والشفافية.

ثانياً: تحسين تجربة المستثمر

المستثمر الفرد في الكويت يستحق تجربة استثمارية أكثر ذكاءً. تطبيقات «المستشار الآلي» (Robo-Advisor) المدعومة بالذكاء الاصطناعي يمكنها تقديم توصيات استثمارية مخصصة بناءً على ملف المخاطر والأهداف المالية لكل مستثمر. كما يمكن لـ«المساعدين الافتراضيين» (Virtual Assistants) الرد على استفسارات المستثمرين باللهجة الكويتية المحلية على مدار الساعة.

هذا التوجه لا يخدم المستثمر المحلي فحسب، بل يُسهّل على المستثمرين الأجانب التعامل مع السوق الكويتي، مما يعزز جاذبيته للاستثمارات الدولية.

ثالثاً: التحليلات التنبؤية للسوق

يمكن للبورصة تطوير أدوات تحليل متقدمة تستخدم تقنيات «التعلم الآلي» (Machine Learning) لتقديم رؤى استشرافية حول اتجاهات السوق وأحجام التداول المتوقعة. هذه الأدوات تخدم صُناع القرار في البورصة ذاتها، كما يمكن إتاحتها للوسطاء والمستثمرين المؤسسيين كخدمة مضافة.

رابعاً: أتمتة العمليات التشغيلية

تقنيات «الأتمتة الذكية» (Intelligent Automation) يمكنها تحسين الكفاءة التشغيلية في مجالات مثل: تسوية الصفقات، ومعالجة طلبات الإدراج، وإعداد التقارير التنظيمية. هذا يُقلل التكاليف ويُسرّع الإجراءات، مما يُحسّن القدرة التنافسية للسوق

 

خارطة طريق مقترحة

بناءً على المعطيات الحالية، نضع التوصيات التالية أمام صُناع القرار في بورصة الكويت وهيئة أسواق المال:

المرحلة الأولى (قصيرة المدى – 12 شهراً):

* تشكيل فريق عمل متخصص لدراسة تطبيقات الذكاء الاصطناعي في البورصات العالمية الرائدة.

* إطلاق شراكة استراتيجية مع مزود تقني عالمي لتطوير نظام رقابة ذكي على التداولات.

* تحديث تطبيق التداول الإلكتروني بإضافة ميزات ذكاء اصطناعي أساسية (مثل التنبيهات الذكية).

المرحلة الثانية (متوسطة المدى – 24 شهراً):

* إطلاق منصة «المستشار الآلي» للمستثمرين الأفراد بالتعاون مع شركات الوساطة المحلية.

* تطوير أدوات تحليل تنبؤية متاحة للمستثمرين المؤسسيين.

* تأسيس «مختبر ابتكار» (Innovation Lab) داخل البورصة لاختبار التقنيات الناشئة.

المرحلة الثالثة (طويلة المدى – 36 شهراً):

* التحول نحو نموذج «البورصة الذكية» (Smart Exchange) المتكامل.

* إطلاق منتجات مالية مبتكرة مدعومة بالذكاء الاصطناعي.

* السعي للحصول على اعتمادات دولية في مجال الابتكار المالي (FinTech Certifications).

بناء الكوادر: الاستثمار في رأس المال البشري

التقنية وحدها لا تكفي. نجاح أي تحول رقمي يعتمد على توفر الكوادر البشرية المؤهلة. بورصة الكويت بحاجة لبرنامج متكامل لتأهيل كوادرها في مجالات علوم البيانات والذكاء الاصطناعي، سواء عبر برامج تدريب داخلية أو شراكات مع الجامعات المحلية.

كما يُمكن إطلاق «برنامج زمالة» (Fellowship Program) يستقطب الكفاءات الكويتية الشابة المتخصصة في هذه المجالات، مما يُسهم في توطين المعرفة وبناء قاعدة وطنية من الخبراء.

 

خاتمة

تمتلك بورصة الكويت إرثاً تاريخياً فريداً كأقدم بورصة خليجية، وقد حققت إنجازات ملموسة في التحول المؤسسي والتقني خلال السنوات الأخيرة. اليوم، تقف البورصة أمام فرصة استراتيجية لتعزيز مكانتها عبر تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي.

الهدف ليس مجرد اللحاق بالأسواق الأخرى، بل استعادة الريادة التاريخية التي تستحقها الكويت. التحول نحو «البورصة الذكية» سينعكس إيجاباً على جاذبية السوق للمستثمرين المحليين والدوليين، ويُسهم في تحقيق أهداف رؤية «كويت جديدة 2035» في التنويع الاقتصادي.

في المقال القادم، سنوسّع العدسة لنرصد كيف تتعامل البورصات الخليجية الشقيقة مع هذا الملف، وأين تقف بورصة الكويت في سباق التحول الرقمي الإقليمي.

المراجع والمصادر الرئيسية:

– الموقع الرسمي لبورصة الكويت (boursakuwait.com.kw): البيانات التاريخية والتشغيلية، وهيكل الأسواق والخدمات المتاحة.

– هيئة أسواق المال الكويتية (CMA): الأطر التنظيمية والتشريعية للسوق المالي الكويتي.

– تقارير MSCI وFTSE Russell: بيانات ترقية بورصة الكويت إلى مؤشرات الأسواق الناشئة ومعايير التصنيف.

– الاتحاد العالمي للبورصات (WFE): الإحصاءات المقارنة للبورصات العالمية من حيث القيمة السوقية وأحجام التداول.

– تقارير Deloitte وMcKinsey: الدراسات المتعلقة بتطبيقات الذكاء الاصطناعي في أسواق المال العالمية.

– GSMA Intelligence – FinTech Reports: التقارير الخاصة بالتقنيات المالية في منطقة الشرق الأوسط.

 

حول الكاتب:

م. محمد عباس: مستشار دولي في الذكاء الاصطناعي، يمتلك خبرة واسعة كمسؤول إقليمي سابق لنظم المعلومات في البنك الدولي والأمم المتحدة. يركز في كتاباته على تحليل الفجوات الرقمية واستراتيجيات البنية التحتية التكنولوجية في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا.

هذا المقال هو الجزء الأول من سلسلة مكونة من ثلاثة أجزاء حول تحول أسواق المال نحو «البورصة الذكية».

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى