بين التفاؤل الحذر وضغوط التشغيل… أين يتجه اقتصاد الشركات الكويتية؟
بقلم/ د. عدنان البدر
باحث ومستشار استراتيجي في سياسة الموارد البشرية وبيئة العمل ورئيس ومؤسس الجمعية الكندية الكويتية للصداقة والأعمال
ckbafa@gmail.com
-
ماذا تخبرنا هذه الأرقام حقاً عن مستقبل سوق العمل الكويتي؟
-
الإيرادات تنمو أسرع من الأجور، والشركات نجحت في تحسين إنتاجيتها وضبط هيكل تكاليفها من دون «تنفيخ» بند الرواتب.
-
338 متقدم لوظيفة لكن88.6% لا يجدون موظفين مناسبين. هذه ليست مفارقة، بل فشل منظومي
-
التعليم غير مواكب للسوق، والتدريب نظري وليس عملي.
-
التوجيه المهني غائب تماما والتكلفة مئات الملايين سنوياً في إنتاجية ضائعة وفرص مهدرة.
-
الإدارة المالية للموارد البشرية أصبحت أكثر انضباطاً، لكن سعر الخطأ في سياسات التوظيف والتعويض سيظل مرتفعاً.
-
غياب تقارير الحوكمة البيئية والاجتماعية (ESG) قد يحرم الشركات الكويتية من تدفقات رؤوس أموال أجنبية ضخمة.
-
جزء كبير من الربحية مرهون بقدرة الشركات على إدارة رأس المال البشري بكفاءة لا بهوامش الادخار التقليدية.
-
1% فقط من الشركات لديها أطر واضحة للتعاقب الوظيفي.
-
ما يقدمه تقرير بروكابيتا (Procapita Group)، هو رصدٌ لحظي وخريطة طريق لصناع القرار في الدولة والشركات معاً.
-
تقرير بروكابيتا (Procapita Group)، هو نداء استغاثة لتطوير التعليم وربطه باحتياجات السوق وليس مجرد رصد لاتجاهات الموارد البشرية.
-
ما يميز تقرير بروكابيتا (Procapita Group)، ليس حجمه أو شموليته فحسب، بل الأنماط المخفية التي تكشفها الأرقام عند تحليلها بعمق.
-
مجموعة بروكابيتا: سوق العمل في الكويت يدخل مرحلة «إدارة الندرة» لا «وفرة الوظيفة».
-
محمد أبو الرب: “التحدي الرئيسي لم يعد مرتبطًا بحجم الطلب على الوظائف، بقدر ما يرتبط بإعادة تعريف الأدوار الوظيفية”
ماذا تخبرنا هذه الأرقام حقاً عن مستقبل سوق العمل الكويتي؟
في عالم مزدحم بالتصريحات والوعود، تبقى الأرقام هي الشاهد الأصدق على واقع لا يحتمل المجاملة. وعندما تُحلل بيانات أكثر من 300 شركة خليجية، و100 رائد أعمال كويتي، و70 شركة مدرجة في البورصة، فإنك لا تقرأ تقريراً – بل تُشرّح منظومة اقتصادية بأكملها. هذا بالضبط ما فعلته مجموعة بروكابيتا (Procapita Group) في تقريرها السنوي لاتجاهات وممارسات الموارد البشرية 2025-2026، الصادر حديثاً. لكن ما يميز هذا التقرير ليس حجمه أو شموليته فحسب، بل الأنماط المخفية التي تكشفها الأرقام عند تحليلها بعمق. في هذه المقالة، نذهب أبعد من السطح، نفكك البيانات، نضعها في سياقها التاريخي والمقارن، ونسأل السؤال الأهم: ماذا تخبرنا هذه الأرقام حقاً عن مستقبل سوق العمل الكويتي؟
ما تكشفه أرقام التقرير (علماً أن التقرير يتوافر عبر منصة Procapita Hub) أن سوق العمل في الكويت يدخل مرحلة «إدارة الندرة» لا «وفرة الوظيفة». لقد قدّم التقرير بشكل محترف دقيق قراءة تحليلية شاملة لواقع سوق العمل الكويتي، فسلّط الضوء على التحولات الهيكلية التي تعيد تشكيل إدارة رأس المال البشري وبيئة ممارسة الأعمال. تظل الأرقام هي الشاهد الأصدق على واقع لا يحتمل المجاملة. هذا التقرير الأكثر دقة في الكويت ودول الخليج، يحوّل الانطباعات اليومية عن ارتفاع التكاليف وصعوبة استقطاب الكفاءات إلى لوحة بيانات دقيقة ترسم ملامح عقد اقتصادي جديد تُعاد فيه كتابة قواعد اللعبة بين رأس المال والعمل في الكويت والخليج.
أولاً: كفاءة أعلى في استغلال قوة العمل… لكن بهوامش حساسة
الأرقام المالية تكشف مفارقة لافتة:
الرواتب الثابتة انخفضت من 12.3% من الإيرادات في 2023/2024 إلى 10.7% في 2024/2025، لتقترب الكويت من متوسط الخليج (10.5%). هذا يعني أن الإيرادات تنمو أسرع من الأجور، وأن الشركات نجحت في تحسين إنتاجيتها وضبط هيكل تكاليفها من دون «تنفيخ» بند الرواتب.

في المقابل، قفزت نسبة إجمالي التعويضات (رواتب + مزايا + مكافآت) إلى النفقات التشغيلية من 23% إلى 28.6%، أي أن «الكويت تدفع أكثر للاحتفاظ بالكفاءات»، وأن جزءاً متزايداً من مصروفات التشغيل يُضخ في رأس المال البشري، مع بقاء النسبة أعلى بكثير من متوسط الخليج (21%). من زاوية الربحية، الرواتب الثابتة التهمت 40.1% من الأرباح في 2024/2025 مقابل 45.2% في العام السابق، بينما يبلغ المتوسط الخليجي 71.4%. هذه فجوة ضخمة تعني أن الشركات الكويتية ما زالت تتمتع بهوامش ربح مريحة مقارنة بجيرانها، لكنها في الوقت نفسه شديدة الحساسية لأي صدمات في الأجور أو الإنتاجية؛ ارتفاع بسيط في الكلفة أو تراجع في الإيرادات يمكن أن يضغط مباشرة على الأرباح، خصوصاً في قطاعات مثل الاتصالات والتكنولوجيا حيث الرواتب تقترب من نصف الربح المحقق. باختصار: الإدارة المالية للموارد البشرية في الكويت أصبحت أكثر انضباطاً، لكن سعر الخطأ في سياسات التوظيف والتعويض سيظل مرتفعاً، لأن جزءاً كبيراً من الربحية مرهون بقدرة الشركات على إدارة رأس المال البشري بكفاءة لا بهوامش الادخار التقليدية. هذه الأرقام تعبر عن تحول استراتيجي نحو كفاءة أعلى، لكنها تكشف أيضاً عن هشاشة الربحية في مواجهة التكاليف المتزايدة، مما يستدعي من الشركات الكويتية إعادة هيكلة نماذجها لضمان استدامة طويلة الأمد. لان الارقام تبدو إيجابياً للوهلة الأولى – كفاءة أعلى، صحيح؟ لا، ليس بالضرورة. توضح الأرقام الإيرادات تنمو لكن الأجور ثابتة فالموظفون لا يستفيدون من النمو والدليل أن 78% غير راضين عن رواتبهم و60.8% يغادرون بحثاً عن تعويضات أفضل. أو أن نعم هناك نمو الإيرادات، ولكن بموظفين أقل لأن نمو التوظيف 8.2% فقط مقابل 24% في الخليج.
ثانياً: حوكمة أكثر انضباطاً… واستدامة «ناقصة الأركان»
الصدمة الصامتة على مستوى الحوكمة، تُظهر الأرقام تحوّلاً جوهرياً في علاقة المجالس بالمساهمين:
لماذا تخفض مكافآت المجالس 20.5%؟ مكافآت أعضاء مجالس الإدارة تراجعت بنسبة 20.5% في 2024/2025، في حين ارتفعت أرباح الشركات بنسبة 8.9% في الفترة نفسها. هذه المفارقة تعني أن مجالس الإدارة «تكسب أقل» بينما تحقق الشركات «أكثر»، وهي إشارة إيجابية لمستوى الانضباط المالي والاستجابة لضغوط المساهمين وضغوط الحوكمة من الجهات الرقابية. المكافآت كنسبة من صافي الربح بلغت 0.57%، ما يضع الكويت ثالثة خليجياً بعد قطر والبحرين؛ ليست في خانة «السخاء المفرط»، لكنها أيضاً ليست في أدنى السلم، ما يعكس توازناً معقولاً بين تحفيز المجالس وضبطها. السؤال الحرج: إذا كانت الشركات تحقق نمواً 8.9% في الأرباح، لماذا تخفض مكافآت المجالس 20.5%؟ التفسير المحتمل: ضغوط حوكمة من الجهات الرقابية. لكن السؤال الأهم: هل هذا إصلاح حقيقي، أم مجرد تصحيح مؤقت لإسكات أصوات المساهمين الغاضبة على حجم مكافئات المجالس؟

لكن الصورة تصبح أكثر تعقيداً عندما ننتقل إلى الاستدامة البيئية والاجتماعية والحوكمة (ESG):
34.6% فقط تُفصح عن ESG الكويت في المركز الخامس خليجياً: جرس إنذار استراتيجي. هذا ليس مجرد رقم عابر، بل هو جرس إنذار استراتيجي يحذّر من واقعٍ مقلق؛ فمجيء الكويت في المرتبة الخامسة خليجياً في الإفصاح عن معايير الاستدامة يعكس أزمة هيكلية. الاستدامة في السوق الكويتي لا تزال تبدو وكأنها مفهوم «نخبوي»، محصور في قطاعات قليلة، بينما قطاعات أخرى كالعقار وبعض الخدمات لا تزال تعيش في مرحلة ما قبل الوعي بهذه المفاهيم. هذا الوضع يضع الشركات الكويتية أمام مخاطرة متزايدة في أعين المستثمرين العالميين، الذين باتوا يربطون قرارات التمويل والتقييم بعمق ممارسات ESG، لا بربحية السنة المالية فقط. المعنى الضمني هنا أن الكويت تحرز تقدماً واضحاً في حوكمة «المال والمكافآت»، لكنها متأخرة بشكل لافت في حوكمة «الأثر والمسؤولية». وهي فجوة ستزداد كلفتها الاقتصادية مع توسع إدراج الشركات الكويتية في مؤشرات عالمية تشترط معايير استدامة صارمة للقبول والاستمرار. لماذا كل هذا القلق؟ لأن الحوكمة البيئية والاجتماعية (ESG) لم تعد موضة عابرة أو رفاهية مؤسسية، بل تحولت إلى: شرط تمويل أساسي من البنوك والمؤسسات المالية الدولية ومعيار اختيار حاسم للمستثمرين المؤسسيين وعامل تنافسي في جذب المواهب والكفاءات الشابة ومتطلب تنظيمي متزايد الصرامة على المستوى العالمي.
قراءة في الجانب الآخر من المعادلة. ما معنى أن 65.4% من الشركات المدرجة الكويتية لا تُفصح عن ممارساتها؟ وببساطة، يعني ذلك أننا: لا نعرف كيف تُدار بيئياً ولا نعرف أثرها الاجتماعي الحقيقي ولا نعرف جودة حوكمتها الفعلية. وفي عصر الشفافية والرقمنة، الغموض = خطر. وفي لغة الاستثمار العالمي، يمثل هذا الرقم “عنق زجاجة” حقيقي. المستثمرون الدوليون اليوم لا ينظرون فقط إلى الميزانيات العمومية، بل يدققون في مدى التزام الشركة بالمعايير البيئية والاجتماعية. إن غياب هذه التقارير قد يحرم الشركات الكويتية من تدفقات رؤوس أموال أجنبية ضخمة تبحث عن استثمارات مسؤولة ومستدامة.
ثالثاً: بيئة أعمال بين ضغوط الحاضر وتفاؤل الغد
بيانات رواد الأعمال تكشف اقتصاداً يعيش مفارقة بين أداء اليوم وتوقعات الغد:
38.6% من رواد الأعمال أبلغوا عن تراجع في أداء أعمالهم عام 2025 مقابل 31.8% شهدوا نمواً، في إشارة إلى اقتصاد «متباطئ» لا منكمش؛ هناك فائزون وخاسرون بحسب القطاع ونموذج العمل. التجارة الإلكترونية تصدرت قطاعات نمو الشركات الصغيرة والمتوسطة، مدفوعة بالتحول الرقمي والمرونة التشغيلية، بينما تلقى قطاع الأغذية والمشروبات التقليدي ضربة مُركّبة من ارتفاع الإيجارات ونقص العمالة وارتفاع الدوران الوظيفي.
ورغم هذه الضغوط، ما زال رواد الأعمال ينظرون إلى الكويت كسوق «جذاب مالياً»:
غياب ضريبة الدخل برز كعامل جذب رئيسي لـ 52.3% منهم، تلاه استقرار العملة (47.7%) وغياب ضريبة القيمة المضافة (34.1%).. نصف الشركات الصغيرة والمتوسطة تخطط لتنويع منتجاتها ودخول أسواق جديدة، بينما يتوقع 71.7% نمواً (متوسط أو أعلى) في 2026، ما يعكس إيماناً بأن «المشكلة في الكلفة والمهارات لا في الطلب». لكن تحت هذا التفاؤل يكمن تهديد واضح: 50% من رواد الأعمال يعتبرون ارتفاع تكاليف التشغيل التحدي الأول في 2026، مع وصول الإيجارات في بعض الأنشطة إلى أكثر من 20% من الإيرادات. هذه المعادلة تعني أن أي تأخير في إصلاحات تنظيم السوق العقاري أو خفض كلفة ممارسة الأعمال قد يترجم إلى خروجات صامتة من السوق أو انتقال مزيد من الأنشطة إلى الاقتصاد غير الرسمي أو المنصات الرقمية العابرة للحدود.
رابعاً: سوق مواهب مشبّع بالطلب… ومجفف بالمهارات
الأرقام المتعلقة بالتوظيف والمواهب تكاد تكون الأشد إثارة في التقرير:
متوسط عدد المتقدمين لكل وظيفة قفز من 240 إلى 338 مرشحاً في 2025؛ السوق «مليء بالسير الذاتية». في الوقت نفسه، تقول 88.6% من الشركات إنها تجد صعوبة في استقطاب المواهب المناسبة؛ السوق «فقير بالمهارات الصحيحة».

الشركات التي تختبر المهارات الفعلية بدل الاعتماد على الشهادات، تجد 35% نتائج أفضل. هذا يؤكد: المشكلة ليست في كمية الخريجين، بل في جودة الإعداد. 338 متقدم لوظيفة لكن88.6% لا يجدون موظفين مناسبين. هذه ليست مفارقة، بل فشل منظومي في: التعليم غير مواكب للسوق والتدريب نظري وليس عملي والتوجيه المهني غائب تماما والتكلفة: مئات الملايين سنوياً في إنتاجية ضائعة وفرص مهدرة.
فجوة مهارات كارثية: هذا التضاد يفضح عمق فجوة المهارات في الاقتصاد الكويتي:
التوظيف أصبح أسرع (انخفاض زمن التعيين من 62 إلى 42 يوماً) وأكثر كفاءة لدى الشركات التي تبنت أنظمة تقييم واختبارات سلوكية، حيث تحسّنت كفاءة التوظيف فيها بنسبة 35% وارتفع معدل اجتياز فترة التجربة إلى 75%. لكن الفجوة الأساسية تبقى في مواءمة التعليم مع متطلبات السوق؛ الطلب يتزايد في التكنولوجيا، التجارة الإلكترونية، الطاقة، والرعاية الصحية، بينما يظل جانب كبير من العرض متكدساً في تخصصات لا تجد باباً سريعاً إلى القطاع الخاص.
المؤشر الخطير: نمو التوظيف 8.2% فقط vs 24%) خليجياً(

السبب الأرجح: مزيج من الإحلال التقني + فجوة المهارات. الدليل: قطاع التكنولوجيا ينمو (يوظف مهارات عالية) قطاع الأغذية التقليدي يتراجع (يوظف مهارات بسيطة) التوظيف يتحول من “كم” إلى “نوع”.
الهجرة الصامتة: حركة المواهب توضح أيضاً منطق «الأرجل»:
60.8% من الموظفين يغادرون بحثاً عن تعويضات ومزايا أفضل، هذا الرقم يجب أن يُقرع أجراس الإنذار. لماذا؟ لأن الدوران الوظيفي بهذا الحجم يكلف الاقتصاد مليارات سنوياً. إذا كان متوسط عدد الموظفين في القطاع الخاص (600,000) تقريبا أي ما يقارب 3 مليارات دولار سنوياً تُحرق في دوران وظيفي يمكن تجنب 60% منه! السبب الجذري: الزيادات موجودة لكنها ضئيلة أو مركزة والشركات تفضل الاستبدال على الاستبقاء وثقافة “الموظف قابل للاستبدال” بدلاً من “الموظف أصل استراتيجي”.
التفسير بسيط: سوق العمل الكويتي لم يعد سوق «وظيفة بأي ثمن»، بل سوق «عرض قيمة شامل»؛ رواتب، مسار مهني، وثقافة عمل. لهذا تتحول برامج المكافآت والمزايا إلى سلاح استراتيجي.
خامساً: معركة الرواتب – الحرب الصامتة: المكافآت… من أداة ثانوية إلى محور تنافس استراتيجي
البيانات الخاصة بسياسات الأجور والمكافآت ترسم صورة سوق دخل بالفعل مرحلة «حرب المواهب:
78% من الموظفين يرون أن الراتب التنافسي هو العامل الأهم لقبول عرض العمل، بينما 22% فقط راضون عن أجورهم الحالية؛ فجوة التوقعات واضحة. 78% غير راضين، لكن 22% فقط نجحوا في التفاوض هذه النسب تكشف ديناميكية قوة غير متوازنة تماماً. من الـ 78% غير الراضين: 17% حاولوا التفاوض للحصول على زيادات كبيرة 22% لم يحققوا أي نتيجة من التفاوض. ممكن قوة تفاوض ضعيفة والبقية إما استسلام أو خوف. أكثر من 60% من غير الراضين لا يحصلون على زيادات ملموسة. السؤال الأهم: إذا كانت الشركات تحقق نمواً 8.9% في الأرباح، و73.7% منها قدمت زيادات في 2025، لماذا 78% ما زالوا غير راضين؟ 73.7% من الشركات زادت الرواتب في 2025، لتحتل الكويت المرتبة الخامسة خليجياً، مع ارتفاع نسبة الشركات التي تعتمد مكافآت قائمة على الأداء من 66.4% إلى 68.3%.. 89.7% من الشركات تخطط لتوسيع برامج المكافآت في 2026، مقابل متوسط خليجي 81.8%؛ أي أن الكويت تتجه لتسليح نفسها نقدياً في معركة استبقاء الكفاءات.
حتى الحوافز طويلة الأجل، التي كانت شبه غائبة عن المنطقة قبل سنوات، بدأت تتجذر:
ارتفعت نسبة الشركات التي تقدم حوافز طويلة الأجل (أسهم، وحدات افتراضية، خطط ادخار) من 21.3% إلى 25.5%، ما يضع الكويت رابعة خليجياً. المفارقة أن المزايا غير النقدية – مثل العمل المرن، التطوير المهني، وبرامج الرفاه – ما زالت أقل من المتوسط الخليجي رغم أهميتها المتزايدة في قرار الموظف؛ التركيز الكويتي يميل إلى «الراتب أولاً»، بينما أسواق العمل الأشد تنافسية عالمياً تحولت منذ سنوات إلى حزمة متوازنة بين النقدي وغير النقدي. بالإضافة، يبدو أن الزيادات مركزة في فئات محددة. التقرير يقول: “ارتفعت نسبة الشركات التي تعتمد برامج مكافآت قائمة على الأداء من 66.4% إلى 68.3%” ترجمة: الزيادات ليست عامة، بل مرتبطة بالأداء. هذا جيد نظرياً، لكنه يفسر لماذا 78% غير راضين – لأن الأغلبية لا تحصل على الزيادات الكبيرة.
سادساً: تجربة الموظف… من رفاهية إلى عامل بقاء
بيانات منصة زينيثر تكشف أن الشركات بدأت تفهم أن «المال ليس كل شيء»:
مؤشر الاندماج الوظيفي وصل إلى 77.5% في 2025، قريباً جداً من متوسط الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (78.6%)، ما يعني أن الموظف الكويتي – مواطناً كان أو مقيماً – يشعر بارتباط أفضل بشركته مما كان عليه قبل سنوات. في تقييم التوازن بين الحياة والعمل، 21.7% وصفوه بالممتاز، و39.1% بالجيد، و33.3% بالمتوسط، و8.7% بالضعيف؛ الصورة إيجابية إجمالاً لكنها تفضح أيضاً «ثلثاً متردداً» يعيش تحت ضغط عبء عمل أو نقص في المرونة.
الخطر الحقيقي يكمن في رقم واحد:
37.1% فقط من الشركات لديها أطر واضحة للتعاقب الوظيفي؛ أي أن ثلثي الشركات تقريباً لا تملك خطة حقيقية لإعداد قيادات بديلة أو مسارات ترقٍ شفافة. في سوق تعرف معدلات دوران مرتفعة، هذا يعني أن كل استقالة قيادي يمكن أن تتحول إلى أزمة، وكل منافسة من شركة أخرى على الكفاءات يمكن أن تهز استقرار فرق كاملة. هنا يتحول ملف تجربة الموظف من «عنصر دعم» إلى «خط دفاع» عن استدامة الأعمال؛ فمن دون اندماج حقيقي ومسار مهني واضح، لن تكفي الزيادات السنوية ولا المكافآت قصيرة الأجل لحبس المواهب في سوق مفتوح على عروض إقليمية وعالمية.
الخاتمة: الاستثمار في “الإنسان” هو الرهان الرابح
ما يقدمه تقرير “بروكابيتا” هو خريطة طريق لصناع القرار في الدولة والشركات معاً، ورصدٌ لحظي. إن تقرير “بروكابيتا” ليس مجرد رصد لاتجاهات الموارد البشرية، ولكن يعتبر نداء استغاثة لتطوير التعليم وربطه باحتياجات السوق. محمد أبو الرب، المدير التنفيذي لمجموعة بروكابيتا، كان دقيقاً عندما قال: “التحدي الرئيسي لم يعد مرتبطًا بحجم الطلب على الوظائف، بقدر ما يرتبط بإعادة تعريف الأدوار الوظيفية” لكن البيانات تذهب أبعد من ذلك – التحدي ليس فقط “إعادة تعريف“، بل “إعادة بناء“ شاملة لـ: منظومة التعليم والتدريب وسياسات الأجور والحوافز والبيئة التنظيمية للأعمال وثقافة الحوكمة والشفافية. بالنسبة للشركات في القطاع الخاص في الكويت، تكمن الفرصة الحقيقية في الشركات التي تتبنى “التحول الرقمي” و”إدارة المواهب القائمة على الجدارة”. السوق الكويتي يمتلك مقومات فريدة؛ من استقرار العملة إلى غياب ضرائب الدخل، لكن الوقود الحقيقي لهذا المحرك هو “رأس المال البشري”. من ينجح في سد فجوة المهارات اليوم، هو من سيقود مشهد الأعمال غداً. انخفاض نسبة الرواتب إلى الإيرادات لا يجب أن يغري بسياسة شدّ الأحزمة على حساب المواهب، بل يفتح الباب لاستثمار أذكى في المهارات التي تضاعف الإنتاجية. حماية جاذبية الكويت الاستثمارية لن تكفي إذا استمرت فجوة المهارات وارتفاع تكاليف التشغيل والإيجارات؛ بيئة الأعمال تحتاج إلى إصلاحات هيكلية في أغلب القطاعات بالإضافة إلى تنظيم العمل الحر، لتبقى قادرة على تحويل هذه الميزات المالية إلى نمو حقيقي . الكويت، كما ترسمها الأرقام، تقف على عتبة انتقال من سوق «يفيض بالوظائف العامة» إلى اقتصاد تنافسي تقوده كفاءات قادرة على العمل في الكويت أو خارجها. الرهان في السنوات المقبلة سيكون على بناء الإنسان القادر على ملئها، وإبقائه مقتنعاً بأن مستقبله هنا في الكويت أفضل من أي مكان آخر.




