مقالات

تحول جذري في سوق العمل الكويتي: طلبات التوظيف الخاص ترتفع 59.8% في 2025

 

بقلم/ د. عدنان البدر
باحث ومستشار استراتيجي في سياسة الموارد البشرية وبيئة العمل ورئيس ومؤسس الجمعية الكندية الكويتية للصداقة والأعمال
ckbafa@gmail.com

  • التحول نحو القطاع الخاص هو نتاج ضغوط اقتصادية ووعي مجتمعي متزايد وليس وليد الصدفة.
  • “الأمان الوظيفي” الحقيقي يكمن في تطوير الذات والقدرة على الإبداع في بيئة تنافسية، وليس في انتظار ترقية روتينية.
  • زيادة أعداد الباحثين عن عمل لفترات طويلة “قنبلة موقوتة” تتطلب حلولاً غير تقليدية.
  • القوى العاملة” تؤكد: 31344 باحثاً عن عمل.. والخاص يجذب المزيد
  • نجاح رؤية “كويت 2035” يعتمد على تحويل الـ 31 ألف مواطن من “باحثين عن عمل” إلى “صناع قيمة مضافة”.
  • سوق العمل الكويتي في منعطف جديد: كفاءة تشغيلية ترتفع… وضغوط المواهب تتصاعد
  • ارتفاع هائل في رغبات الكويتيين للعمل في القطاع الخاص: 59.8% زيادة في 2025
  • إحصاءات “القوى العاملة”: 34.2% من الباحثين عن عمل يميلون للقطاع الخاص
  • ما نحتاجه الآن هو جرعة إضافية من الشجاعة التحليلية، والاستثمار في البيانات كأداة لصنع القرار
  • بناء شراكة حقيقية بين القطاعين العام والخاص لتحقيق رؤية تنموية مستدامة.
  • لا يكفي أن نحتفي بارتفاع النسب المئوية؛ بل يجب تحويل هذه البيانات إلى سياسات ذكية.
  • الكويت تمتلك مقومات النجاح: شباب متعلم، موارد مالية، وإرادة سياسية للإصلاح.
  • تعزيز الشفافية في بيانات سوق العمل، عبر منصة وطنية توفّر معلومات آنية عن الوظائف المتاحة.

 

زلزال ناعم في سوق العمل الكويتي

 قفزة نوعية تاريخية في توجّه المواطنين نحو القطاع الخاص.. هل هذا “رغبة” أم “اضطرار”؟ والأرقام تخفي تحديات أكبر

في مشهد يعكس تحوّلاً ديموغرافياً واقتصادياً عميقاً، كشفت بيانات الهيئة العامة للقوى العاملة لعام 2025 عن ارتفاع لافت في رغبات المواطنين الكويتيين للتوظيف في القطاع الخاص خلال عام 2025، بنسبة 59.8%، ليصل عدد الطلبات إلى 7,418 طلباً، مقابل 4,642 طلباً في العام السابق.  يُعتبر هذا تحوّلاً دراماتيكياً في بوصلة التوظيف الوطنية لعام 2025 وبداية 2026، ومشهداً اقتصادياً جديداً يتسم بزيادة الثقة في بيئة الأعمال غير الحكومية، مدفوعاً بتغيرات في السياسات العامة وتطلعات الجيل الجديد من الخريجين، ويمثل نقطة تحول تاريخية في التوازن التقليدي بين القطاعين العام والخاص في الكويت.  لكن وراء هذه النسبة المُبهرة، تختفي تفاصيل إحصائية دقيقة تستدعي وقفة تحليلية متعمقة، لا سيما في ظل سعي الكويت الحثيث لتنويع اقتصادها وتقليل الاعتماد على الإيرادات النفطية.

 

 

الأرقام التي تُقرأ بين السطور لـ 59.8% ليست “رغبة” خالصة، بل “إدراك” متأخر لحقيقة واحدة:الوظيفة الحكومية لم تعد ضماناً، والقطاع الخاص لم يعد خياراً – بل أصبح ضرورة.

تشير البيانات الرسمية إلى أن إجمالي المسجلين للبحث عن عمل في 2025 بلغ 21,667 مواطناً، منهم 34.2% فقط (7,418) اختاروا القطاع الخاص، بينما فضّل 65.8% (14,249) التوجه نحو الوظائف الحكومية. وهذا يعني أن التحوّل، رغم سرعته، لا يزال في مراحله الأولى، وأن الجاذبية التقليدية للوظيفة العامة—بما توفره من استقرار وامتيازات—ما زالت تُشكّل العامل الحاسم لدى الغالبية.  الأكثر دلالة هو ما أظهرته مؤشرات بداية 2026: فحتى 18 فبراير، سجّل 2,752 مواطناً جديداً كباحثين عن عمل، وأبدى 52.8% منهم رغبتهم في الانضمام للقطاع الخاص. هذه القفزة في النسبة خلال أشهر قليلة قد تعكس تحسّناً في الثقة، أو استجابة لحملات توعوية، أو ربما ضغوطاً اقتصادية دفعت الشباب لإعادة النظر في خياراتهم المهنية.   فالسؤال الحرج: هل هذه صدمة إيجابية (وعي جديد) أم صدمة سلبية (أزمة خيارات)؟ الإجابة الأرجح: مزيج من الاثنين – 30% وعي، 70% اضطرار.

 

الفجوة الهيكلية: 3.6% فقط من قوى العمل الخاصة كويتيون

هنا تكمن المفارقة الكبرى: رغم الزيادة في الطلبات، لا يزال تمثيل المواطنين في القطاع الخاص ضئيلاً للغاية. فوفقاً لبيانات الهيئة العامة للمعلومات المدنية، يشكّل الكويتيون 3.63% فقط من إجمالي العاملين في القطاع الخاص (1.825 مليون عامل)، بينما يشغل الوافدون 96.36% من هذه الوظائف. في المقابل، يستحوذ القطاع الحكومي على 75.1% من موظفيه من المواطنين، مما يعكس استمرار التركيز الوظيفي في دائرة الدولة.  هذا التباين الهيكلي يطرح سؤالاً جوهرياً: هل يكفي ارتفاع عدد الطلبات لتحقيق “تكويت” حقيقي للقطاع الخاص، أم أن العقبات الهيكلية—كالفجوة في المهارات، وتباين توقعات الرواتب، وبيئة العمل—ما زالت تُشكّل حاجزاً يصعب اختراقه؟  من تقرير بروكابيتا 2025-2026 (الذي حللناه في المقالة السابقة ):نمو التوظيف في الكويت: 8.2% فقط المتوسط الخليجي: 24% 88.6% من الشركات الكويتية: “لا نجد الكفاءات المناسبة”.  بمعنى آخر: من الـ 15,000 طلب إضافي، ربما 2,000-3,000 فقط ستتحول إلى وظائف حقيقية.  ماذا عن الـ 12,000 الباقين؟  سيواجهون واقعاً قاسياً:  رفض بسبب “عدم توافق المهارات” عروض برواتب “أقل من التوقعات” وظائف في قطاعات “غير مرغوبة

 

ما الذي غاب عن الإحصاء؟ عناصر حاسمة لصورة أشمل

إنني أرى أن التقرير الرسمي، رغم أهميته، يفتقر إلى مؤشرات نوعية تجعل الصورة الإحصائية أكثر هولستية وقابلية للتطبيق الاستراتيجي. ومن أبرز العناصر التي كان يجب تضمينها:

    1- التوزيع العمري والجندري: من هم الفئات العمرية الأكثر إقبالاً على القطاع الخاص؟ وهل تختلف التوجهات بين الذكور والإناث؟

    2- مطابقة المؤهلات مع متطلبات السوق: ما نسبة الحاصلين على شهادات جامعية في تخصصات مطلوبة فعلياً في القطاع الخاص (كالتكنولوجيا، والتمويل، والهندسة)؟

     3- توقعات الرواتب مقابل الواقع: ما الفجوة بين توقعات الباحثين عن عمل والعروض المتاحة في السوق؟

     4- التوزيع الجغرافي: هل تتركز الطلبات في محافظات معينة؟ وكيف يؤثر ذلك على سياسات التوطين الإقليمية؟

      5- تحليل القطاعات الفرعية: أي قطاعات داخل الخاص (مثل التقنية، والرعاية الصحية، والخدمات اللوجستية) تجذب المواطنين أكثر؟

     6- معدلات الاستبقاء والدوران الوظيفي: كم من المواطنين الذين التحقوا بالقطاع الخاص بقوا في وظائفهم لأكثر من عام؟

     7- فجوة المهارات: ما المهارات الناعمة والتقنية التي يفتقدها الباحثون عن عمل وفقاً لتقييمات أرباب العمل؟

     8- الرواتب والمزايا النسبية: ما الفرق الحقيقي في إجمالي التعويضات (بما في ذلك المعاشات، وساعات العمل، والضمان الوظيفي) بين القطاعين؟

     9- مؤشرات الرضا الوظيفي: كيف يقيّم المواطنون تجربة العمل في القطاع الخاص من حيث البيئة، والتطوير المهني، والتوازن بين الحياة والعمل؟

    10- برامج التدريب والتأهيل: ما نسبة المستفيدين من برامج “إعادة التأهيل” الحكومية، وما أثرها الفعلي على فرص التوظيف؟

   11- الوقت المتوسط للعثور على وظيفة: كم تستغرق عملية التوظيف في القطاع الخاص مقارنة بالحكومي؟

  12- دوافع التحوّل: ما الأسباب الرئيسية وراء تغيير التفضيل (استطلاعات رأي نوعية)؟

  13- وجهة نظر أصحاب العمل: ما التحديات التي تواجه الشركات في توظيف وتدريب المواطنين؟

  14-  أثر التنويع الاقتصادي: كيف ترتبط اتجاهات التوظيف بمشاريع رؤية “كويت جديدة” ومبادرات التنمية غير النفطية؟

 15- مؤشرات التنافسية الإقليمية: كيف يقارن أداء سوق العمل الكويتي مع نظرائه في دول مجلس التعاون؟

ما وراء الأرقام

إن هذا التحول نحو القطاع الخاص هو نتاج ضغوط اقتصادية ووعي مجتمعي متزايد وليس وليد الصدفة. الجيل الجديد من الكويتيين بدأ يدرك أن “الأمان الوظيفي” الحقيقي يكمن في تطوير الذات والقدرة على الإبداع في بيئة تنافسية، وليس في انتظار ترقية روتينية.  ومع ذلك، تظل زيادة أعداد الباحثين عن عمل لفترات طويلة “قنبلة موقوتة” تتطلب حلولاً غير تقليدية. إن نجاح رؤية “كويت 2035” يعتمد كلياً على قدرة الدولة على تحويل هؤلاء الـ 31 ألف مواطن من “باحثين عن عمل” إلى “صناع قيمة مضافة”. إن بقاء هذا العدد الضخم في “منطقة الظل” يمثل هدراً اقتصادياً يجب معالجته عبر برامج تدريب تحويلي فورية.

 

 

 

 

الحقيقة القاسية في سوق العمل الكويتي

في عالم يتسارع فيه التنافس، يبدو التوظيف الحكومي كحلم بعيد المنال. حتى لو انتظرت 5 سنوات، فرصك في التوظيف الحكومي محدودة جدًا. دعونا نستعرض الأرقام التي تكشف الواقع الصادم، ونفهم لماذا يتجه الجيل الجديد نحو بدائل أكثر جدوى.  الأرقام الصادمة:

   * عدد الخريجين سنويًا: حوالي 15,000 خريج.

    * التوظيف الحكومي السنوي: حوالي 12,000 وظيفة فقط.

    * العجز السنوي: أكثر من 3,000 شخص ينتظرون دون توظيف.

    * العجز التراكمي على 5 سنوات: أكثر من 15,000 شخص متراكمين.

إضافة إلى ذلك

      * عدد المنتظرين على القوائم: 16,500 شخص (بناءً على بيانات قديمة، والرقم الحالي أكبر بكثير).

المعادلة البسيطة (والمؤلمة)

إذا تخرجت اليوم وعمرك 22 عامًا،

وانتظرت دورك في قائمة الانتظار،

قد تُوظَّف بعمر… 27-30 عامًا!

 

صوت الجيل الجديد

“لا أستطيع الانتظار 5-8 سنوات!” – هذا هو الشعار الذي يردده الشباب، الذين يبحثون عن فرص فورية في القطاع الخاص، حيث الابتكار والنمو أسرع، بدلاً من الانتظار في طوابير لا تنتهي. هل حان الوقت لإعادة التفكير في مسارك المهني؟

 

رؤية استشرافية: من الأرقام إلى السياسات الفعّالة

لا يكفي أن نحتفي بارتفاع النسب المئوية؛ بل يجب تحويل هذه البيانات إلى سياسات ذكية. فإذا كان الهدف هو تعزيز مشاركة المواطنين في القطاع الخاص، فإن المعالجة تتطلب مقاربة متعددة الأبعاد:

– تطوير منظومة التعليم والتدريب المهني لتتوافق مع احتياجات السوق المستقبلية، مع التركيز على المهارات الرقمية والريادية.

– تحفيز القطاع الخاص عبر حوافز ضريبية ودعم جزئي للرواتب في السنوات الأولى، لتقليل فجوة التكلفة بين الموظف الوطني والوافد.

– تعزيز الشفافية في بيانات سوق العمل، عبر منصة وطنية توفّر معلومات آنية عن الوظائف المتاحة، والمهارات المطلوبة، ومتوسطات الرواتب.

– إطلاق برامج توجيه مهني مكثفة للشباب، تربط بين تطلعاتهم وواقع الفرص الاقتصادية.

– مراجعة هيكل المكافآت في القطاع الحكومي لضمان عدالة تنافسية، دون الإخلال بالاستقرار المالي للدولة.

 

 

خارطة المؤهلات: فائض أكاديمي وعجز مهني

عند تحليل الملف التعليمي للباحثين عن عمل، نجد أن الكوادر الوطنية تمتلك قاعدة تعليمية صلبة، لكنها تفرض تحديات على مستوى استيعاب التخصصات. يشكل حملة الشهادات الجامعية (البكالوريوس) الكتلة الأكبر بـ 17,839 مواطناً، يليهم حملة الدبلوم بـ 6,491 شخصاً.  يكشف التقرير عن اختلال واضح في مخرجات التعليم؛ فبينما يكتظ السوق بحملة البكالوريوس والدبلوم (أكثر من 24 ألفاً)، نجد أن حملة “التأهيل المهني” لا يتجاوزون 81 شخصاً. هذا التباين الصارخ يوجه رسالة قاسية للمؤسسات التعليمية: السوق يصرخ طلباً للفنيين والمهنيين، بينما تستمر الجامعات في ضخ الأكاديميين. القطاع الخاص اليوم يبحث عن “المهارة” Knowledge, Skills, and Attitudes (KSA’s) قبل “الشهادة”، ومن هنا تنبع ضرورة إعادة توجيه بوصلة التعليم نحو الاحتياجات الفعلية للاقتصاد الرقمي والصناعي.

 

 

 

 

خاتمة: الرهان على “الجدارة“Competency

إن بيانات “القوى العاملة” هي صرخة تنبيه للجميع. القطاع الخاص أصبح القبلة الجديدة، والشباب الكويتي أثبت استعداده للتحدي. الكرة الآن في ملعب القطاع الخاص لتقديم بيئة عمل جاذبة، وفي ملعب الحكومة لتطوير تشريعات تحمي حقوق العاملين في الخاص، وفي ملعب التعليم لسد فجوة المهارات.  إن الكويت تمر بمرحلة مخاض اقتصادي، ومن ينجح في قراءة هذه الأرقام اليوم، هو من سيقود دفة المستقبل غداً.  إن التحول في تفضيلات التوظيف لدى المواطنين الكويتيين هو إشارة إلى بداية مرحلة جديدة في العلاقة بين المواطن والدولة وسوق العمل و ليس مجرد مؤشر إحصائي عابر. لكن النجاح في هذه المرحلة مرهون بقدرتنا على قراءة البيانات بعمق، وملء الفجوات المعرفية، وتصميم سياسات مرنة تستجيب لتطلعات الشباب وواقع الاقتصاد العالمي.  الكويت تمتلك مقومات النجاح: شباب متعلم، موارد مالية، وإرادة سياسية للإصلاح. ما نحتاجه الآن هو جرعة إضافية من الشجاعة التحليلية، والاستثمار في البيانات كأداة لصنع القرار، وبناء شراكة حقيقية بين القطاعين العام والخاص لتحقيق رؤية تنموية مستدامة. لا تُقاس قوة الإقتصاد بعدد الوظائف الحكومية، بل بقدرتها على خلق فرص منتجة في اقتصاد متنوع، حيث يكون المواطن شريكاً في البناء، لا مجرد مستفيد من الريع.

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى