عندما يضيق هرمز… كيف تواجه عقود النقل البحري اختبار المخاطر؟
بقلم أحمد ممدوح المرسي
أخصائي امتثال معتمد من الجمعية الدولية للامتثال
في عالم تحكمه سلاسل الإمداد العابرة للقارات، لا تبدو الممرات البحرية مجرد طرق لنقل البضائع والوقود والطاقة، بل شرايين حيوية للاقتصاد العالمي. ومع تصاعد التوترات في مضيق هرمز، يتحول هذا الممر الضيق إلى اختبار حقيقي لقدرة المؤسسات على إدارة المخاطر، وصياغة عقود قادرة على الصمود. فحين يضيق الممر، لا تتعطل السفن فقط، بل تُختبر القرارات، وتُعاد قراءة بنود العقود، ويظهر الفرق بين من أبدى استعداداً للأزمة… ومن فوجئ بها.
عقود لم تُصمَّم لتجاوز الأزمات… خلل يكشفه الواقع
لقد كشفت الأزمات الجيوسياسية أن كثيرًا من عقود النقل البحري صيغت بعقلية تشغيلية تقليدية، تفترض استقرار المسارات واستمرارية الظروف الطبيعية. هذه العقود غالبًا ما أغفلت سيناريوهات إغلاق الممرات أو تصاعد المخاطر الأمنية، واكتفت بصياغات عامة لبنود القوة القاهرة دون تحديد دقيق لآليات التطبيق أو توزيع الخسائر. ومع أول اختبار حقيقي تظهر الفجوات، والنزاعات التعاقدية، والأعباء غير المتوقعة وهو يعكس غياب التكامل بين الحوكمة وإدارة المخاطر عند إعداد تلك العقود.
من يتحمل الخسارة… العقد هو الحكم
في لحظة تعطل الشحنة في عرض البحر، يتبادر سؤال رئيسي لدى البعض: من يتحمل الخسارة؟ غير أن الإجابة لا تُحسم عند وقوع الأزمة، بل عند توقيع العقد. فالمسؤولية تتحدد وفق نقطة انتقال المخاطر المتفق عليها بين الأطراف. إذا كانت المخاطر قد انتقلت إلى المشتري منذ تحميل البضاعة على السفينة، فإن تبعات التعطيل تقع عليه، حتى وإن لم تصل الشحنة إلى وجهتها. أما الناقل، فعادة ما يكون محميًا ببنود تعاقدية تعفيه من المسؤولية في حالات القوة القاهرة أو المخاطر الحربية، بينما يكون دور البائع قد انتهى عند التسليم وفق الشروط المتفق عليها. وهكذا، لا تُوزع الخسائر بناءً على من تضرر، بل وفق ما تم الاتفاق عليه مسبقًا.
وجدير بالقول بأنه في ظل الأزمات مثل مضيق هرمز، لا يمكن التعويل على التأمين كحل شامل، إذ إن شركات التأمين لا تتحمل المخاطر الجيوسياسية إلا في حدود التغطيات المتخصصة، وعلى رأسها تأمين مخاطر الحرب. وحتى في هذه الحالة، يظل التعويض مقصورًا على الأضرار المادية المباشرة، دون أن يمتد إلى الخسائر الناتجة عن التأخير أو اضطراب سلاسل الإمداد. ومن ثم، فإن التأمين لا يلغي الخطر، بل يخفف جزءًا منه، بينما يبقى العبء الأكبر موزعًا بين أطراف العقد وفقًا لما تم الاتفاق عليه مسبقًا.
إدارة المخاطر… من رد الفعل إلى الاستباق
لم يعد كافيًا التعامل مع المخاطر بعد وقوعها، بل أصبح من الضروري إدارتها قبل أن تتحقق. فالمؤسسات الأكثر نضجًا هي تلك التي تبني قراراتها على تحليل استباقي يشمل السيناريوهات المحتملة، وتُضمّن هذه الرؤية داخل العقود نفسها. لا تُترك مسألة توزيع الخسائر للصدفة، بل تُصاغ بوضوح، وتُدعم بتغطية تأمينية مناسبة، وتُراجع باستمرار في ضوء المتغيرات الجيوسياسية. لذلك فإن إدارة المخاطر هنا ليست وظيفة منفصلة، بل عقل استراتيجي يوجه التعاقد والتشغيل معًا.
الحوكمة والامتثال … الإطار الذي يمنح القرار شرعيته
عند وقوع الأزمة، لا يكون التحدي في اتخاذ القرار فقط، بل في اتخاذه ضمن إطار واضح يحفظ التوازن بين الأطراف. وهنا تظهر الحوكمة والامتثال كعامل حاسم، إذ تضمن الحوكمة وجود آليات محددة للتعامل مع الطوارئ، وتحدد من يملك سلطة تغيير المسار أو تعليق التنفيذ، وكيف تُدار الخلافات. فالعقود التي تستند إلى حوكمة فعّالة لا تتعطل عند أول اختبار، بل تتحول إلى أدوات مرنة قادرة على التكيف دون الإخلال بالتزاماتها أو الدخول في نزاعات طويلة، كما أن تجاهل متطلبات الامتثال قد يفتح أبوابًا لمخاطر أكبر. فالتعامل مع مناطق التوتر يفرض التزامات إضافية، سواء فيما يتعلق بالعقوبات الدولية، أو التحقق من الأطراف، أو الالتزام بتعليمات التأمين والسلطات البحرية. ومن هنا، لا يصبح الامتثال عائقًا، بل ضمانة لاستمرار العمليات بشكل آمن وقانوني، حتى في أكثر الظروف تعقيدًا.
خلاصة القول
لا تُقاس قوة عقود النقل البحري بقدرتها على تنظيم العمليات في الظروف الطبيعية، بل بمرونتها عند الأزمات. فعندما يضيق الممر، لا يكون الاختبار الحقيقي لقدرة السفن على العبور، بل لقدرة المؤسسات على إدارة ما لا يمكن التنبؤ به.




