بقلم: المحامي/ سالم الطرقي والمستشار/ حسام عبدالله
مكتب الطرقي وشركاه Al-Hossam Legal
نشر المرسوم بقانون رقم 78 لسنة 2026 في شأن مكافحة التستر التجاري بتاريخ 9 أغسطس 2026 ليسري اعتبارا من 9 فبراير 2027، وهو تشريع من المتوقع أن يكون له أثر مباشر على شريحة واسعة من الأنشطة التجارية في الكويت، وبصفة خاصة المنشآت الفردية والشركات ذات المسئولية المحدودة التي تمتلك مشروعات ومحال صغيرة ومتوسطة خاصة في مجال المقاولات، ومحال التجزئة والخدمات بكافة أنواعها. والعامل المشترك فيها جميعا أن الإدارة الفعلية للنشاط تقوم على ترتيبات تختلف عما يظهر في عقود التأسيس أو التراخيص.
ولعل أهمية القانون لا تكمن فقط في العقوبات التي قررها، رغم شدتها، وإنما في أنه يفتح باباً مهماً للتمييز بين أمرين كثيراً ما اختلطا في الواقع العملي وهى: الإدارة المشروعة لنشاط مملوك للغير، والتستر الذي يصبح فيه صاحب الترخيص أو الشريك الظاهر مجرد واجهة لشخص آخر يمارس النشاط في حقيقته لحسابه الخاص.
وهذا التمييز ليس نظرياً. فالسوق يعرف منذ سنوات صوراً مختلفة من العلاقات التي يصعب وضعها جميعاً في سلة واحدة. فهناك صاحب منشأة يعين مديراً من الأجانب المقيمين ذا خبرة ويمنحه صلاحيات واسعة لإدارة النشاط، وهذا أمر طبيعي. وهناك، في المقابل، صاحب ترخيص لا يعرف عن المنشأة سوى المبلغ الذي يتقاضاه شهرياً أو سنويا من الشخص الذي يديرها ويتصرف فيها باعتبارها مشروعه الشخصي. وبين هاتين الصورتين توجد مساحة واسعة من الحالات التي سيكون على الجهات المختصة، وفي نهاية المطاف القضاء، تحديد طبيعتها الحقيقية.
القانون الجديد يتعامل مع التستر من منظور أوسع من الصورة التقليدية المعروفة شعبياً بـ«تأجير الرخصة». فالمسألة لا تتوقف على أن يسمح شخص لآخر باستعمال اسمه أو ترخيصه، وإنما تمتد إلى كل ترتيب تكون نتيجته تمكين شخص من ممارسة نشاط اقتصادي لا يجوز له قانوناً ممارسته بهذه الصورة، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ومن ذلك الالتفاف على القيود أو النسب القانونية المقررة لملكية الأجانب عند 49%.
وهنا تصبح حقيقة العلاقة أهم من الاسم الذي أطلقه عليها أطرافها.
لنأخذ مثالاً بسيطاً من واقع النشاط التجاري. مواطن استخرج ترخيصاً تجاريا لمحل تجاري، ثم عهد إلى شخص أجنبي مقيم بإدارته. لا توجد في ذلك بذاته مشكلة قانونية، بل إن تعيين إدارة متخصصة قد تكون ضرورة لنجاح المشروع. ولكن الصورة تختلف إذا كان هذا الأجنبي المقيم هو الذي دفع تكاليف تجهيز محل التجاري، واختار العاملين، ويتفاوض مع الموردين، ويتحكم في الحسابات، ويحدد الأسعار، ويستلم الإيرادات، ويحتفظ بالأرباح ويتحمل الخسائر، بينما يقتصر دور صاحب الترخيص على تلقي مبلغ ثابت في نهاية كل شهر أو سنة.
في هذه الحالة لا يعود السؤال: هل يوجد عقد إدارة؟ وإنما: ما حقيقة هذا العقد؟
فإذا كان الأجنبي المقيم مسمى «مديراً» ولكنه يتصرف اقتصادياً باعتباره صاحب النشاط، بينما لا يحتفظ صاحب الترخيص من صفات الملكية إلا بالاسم، فإن مجرد وجود عقد يحمل عنوان «اتفاقية إدارة» لن يكون بالضرورة كافياً لحسم طبيعة العلاقة. والقاعدة المعروفة في المعاملات، وتزداد أهميتها في هذا النوع من القضايا، أن العبرة بالواقع وبمضمون العلاقة وآثارها، لا بالتسمية التي اختارها أطرافها.
والأمر ذاته يتكرر في الشركات، فقد تكون الشركة مسجلة وفقاً للأوضاع القانونية السليمة، إلا أن الأجنبي المقيم غير ظاهر في هيكل ملكيتها أو يمتلك فقط نسبة 49% من رأس مالها هو الذي يحصل على المشاريع، ويوفر التمويل، ويتفاوض مع العملاء، ويشتري التجهيزات والمعدات، ويدير العمال، ويتعامل مع الموردين والمقاولين، ويستلم مستحقات الشركة ويتحمل خسائرها، بينما يحصل الشريك الكويتي أو صاحب الترخيص الظاهر على مقابل محدد لا يرتبط حقيقة بحصته في رأس المال وأرباح الشركة.
مثل هذه الحالة تحتاج إلى قراءة أعمق من مجرد استخراج السجل التجاري والاطلاع على أسماء الشركاء.
وتظهر الإشكالية أوضح في بعض الصور، فعبارة من قبيل «الشركة والمحل باسمي وفلان يديره» قد تصف علاقة مشروعة تماماً، وقد تصف أيضاً حالة تستر مكتملة الأركان، بحسب واقع الحال. الموظف أو المدير الأجنبي المقيم الذي يتقاضى راتباً ويدير الشركة أو المنشأة لحساب مالكها ليس كمن دفع ثمن المشروع من ماله، واحتفظ بإيراداته، وتحمل مخاطره، ثم دفع لصاحب الترخيص مبلغاً سنوياً أو شهرياً مقابل بقاء الرخصة باسمه، أو حتى بدون مقابل وعلى سبيل المجاملة.
وهذه التفرقة مهمة للغاية حتى لا يؤدي تطبيق القانون إلى الخلط بين التستر وبين الإدارة المهنية المعتادة. فمن الطبيعي أن يكون المدير الأجنبي المقيم في بعض الشركات أكثر معرفة بتفاصيل العمل من الشريك، وأن تكون له صلاحيات مصرفية وإدارية واسعة، وأن يرتبط جزء من مكافأته بأداء الشركة أو أرباحها. كل ذلك جائز من حيث الأصل متى ظل المدير يعمل لحساب الشركة، وكانت الإيرادات والأصول والحقوق الاقتصادية تعود إلى الشركة، وظل المالك أو الشركاء يمارسون حقوقهم الحقيقية في الرقابة واتخاذ القرارات الجوهرية. والمشكلة الحقيقية تبدأ عندما تتجاوز الإدارة هذا الحد، ويصبح الأجنبي المقيم المدير أو الغير هو المالك الاقتصادي الفعلي للمشروع، فيما يفقد المالك الظاهر كل سيطرة حقيقية عليه.
والتستر يأخذ أيضاً صورة هيكل شركة يبدو، للوهلة الأولى، متفقاً تماماً مع القانون. فقد تسجل حصص الشركاء بنسب 49% للأجنبي المقيم، ثم توجد بينهم اتفاقات جانبية تمنح الأجنبي من الناحية العملية كامل الأرباح أو السيطرة الفعلية على الحصص المسجلة باسم المواطن الكويتي. وقد تكون نسب الملكية الظاهرة متفقة مع القيود القانونية المفروضة على تملك الأجانب، في حين تنقل اتفاقات أخرى غير ظاهرة الحقوق الاقتصادية أو سلطة اتخاذ القرار بصورة تجعل الملكية الحقيقية مختلفة عما هو مسجل رسمياً.
لذلك نعتقد أن أثر القانون سيمتد عملياً إلى ما هو أبعد من مراجعة الرخص التجارية. بعض الشركات ستحتاج إلى مراجعة اتفاقات الشركاء، والتوكيلات، وعقود الإدارة، وترتيبات التمويل، وصلاحيات التوقيع على الحسابات، وآلية توزيع الأرباح، بل وحتى وجهة تحويل الإيرادات واستخدام أجهزة نقاط البيع والحسابات الشخصية في النشاط التجاري.
والتجارب الخليجية السابقة توفر لنا مؤشرات مفيدة لما قد يثير اهتمام الجهات الرقابية والقضاء عند تطبيق التشريع الكويتي. ففي المملكة العربية السعودية، وقطر وسلطنة عمان على سبيل المثال، تطور تطبيق نظام مكافحة التستر إلى البحث عن المؤشرات التي تكشف من يملك السيطرة الفعلية على المنشأة، بدلاً من الاكتفاء باسم الشخص المقيد في السجل. وشملت الحالات التي خضعت للتدقيق مسائل من قبيل السيطرة على الإيرادات، وتمويل النشاط، والقدرة على التصرف في المنشأة، وتقرير الأرباح، ومدى معرفة صاحب النشاط الظاهر بشؤون منشأته. ومن القضايا اللافتة التي تم الإعلان عنها في دول الخليج حالة مؤسسة مسجلة باسم مواطنة، بينما تبين أن زوجها المقيم هو الذي يتولى إدارة النشاط وتسيير أعماله، في وقت لم تكن فيه صاحبة المؤسسة على معرفة حقيقية بتفاصيل شؤونها الإدارية والمالية. وأهمية مثل هذا النموذج ليست في وقائعه وحدها، وإنما في المبدأ الذي يكشف عنه: السجل التجاري دليل مهم على الملكية القانونية، لكنه لا يغني عن البحث فيمن يدير النشاط ويستفيد منه في الواقع.
وأكدت أحكام القضاء بدول الخليج بأن التستر يأخذ وصف الجريمة المستمرة طالما استمرت حالة تمكين المقيم من ممارسة النشاط على النحو المخالف للقانون. وهذه المسألة ستكون لها أهمية عند التعامل مع ترتيبات تجارية قد تكون قد بدأت قبل سنوات، ولكن آثارها وعناصرها استمرت بعد ذلك. وتم وضع مؤشرات أكثر عملية، مثل انتقال إيرادات النشاط إلى حسابات شخصية، أو منح المقيم صلاحيات تمكنه من التصرف المطلق في المنشأة أو الشركة، أو استخدام حسابات مصرفية غير مسجلة باسم المنشأة أو الشركة، مع الاعتداد بالأدلة الإلكترونية في الإثبات.
ولا يعني ذلك بطبيعة الحال أن هذه المؤشرات، منفردة، تصلح دليلاً آلياً على وجود التستر في كل حالة. وإنما تكمن أهميتها في أنها توضح الاتجاه العملي في التشريعات المقارنة: البحث عن مركز السيطرة الاقتصادية الفعلية على المشروع.
وفي الكويت، اختار المشرع عقوبات الحبس والغرامة التي قد ترتبط كذلك بقيمة الأرباح المتحصلة من النشاط، إلى جانب الآثار الأخرى المترتبة على الإدانة، ومنها المصادرة وغلق المنشأة وإلغاء الترخيص وإبعاد الأجنبي المخالف وفق الضوابط المقررة قانوناً. كما تناول مسؤولية من يتولى الإدارة الفعلية في الحالات والشروط الواردة فيه.
ولهذا تكتسب مهلة الستة أشهر التي تسبق بدء العمل بالقانون أهمية خاصة.
ولا نرى أن التعامل الصحيح معها هو انتظار تاريخ النفاذ ثم النظر فيما يجب عمله. الأجدى لأصحاب الأعمال أن يستغلوا هذه الفترة في مراجعة أوضاعهم القائمة، وبصفة خاصة تلك التي نشأت منذ سنوات وأصبحت بحكم الاعتياد مقبولة تجارياً رغم أن حقيقتها القانونية تستوجب إعادة النظر.
والتصحيح المطلوب لا يعني إجراء تعديلات شكلية على المستندات، فإذا كان المقيم يمارس النشاط فعلياً لحسابه مستفيداً من ترخيص أو وضع قانوني لشخص آخر، فينبغي أولاً بحث ما إذا كان القانون يسمح له بالدخول في النشاط بصورة مباشرة. فإذا كان ذلك جائزاً، فقد تكون المعالجة في إعادة هيكلة الملكية، أو انتقال الحصص، أو دخوله شريكاً، أو مستثمراً وفقاً للقانون، أو بيع المنشأة إليه بعد استيفاء المتطلبات اللازمة.
أما إذا كان لا يجوز له قانوناً ممارسة النشاط أو تملكه بهذه الصورة، فلا يكفي استبدال عقد بآخر أو تقليص صياغة توكيل مع بقاء الواقع كما هو. يجب عندئذ أن تعود السيطرة الحقيقية إلى صاحب النشاط القانوني، أو أن يعاد تنظيم النشاط بطريقة مشروعة، أو أن يتم التخارج منه إذا تعذر ذلك.
وإذا كانت العلاقة في حقيقتها علاقة إدارة، فينبغي أن تعكس المستندات والواقع ذلك فعلاً: مدير يعمل لمصلحة الشركة، ومقابل إدارة معلوم، وإيرادات تدخل إلى حساب المنشأة، ومالك أو شركاء يمارسون رقابة حقيقية، مع فصل واضح بين أموال الشركة وأموال المدير.
وقد أتاح القانون فترة ستة أشهر قبل نفاذه لتصحيح المسارات وإعادة تنظيم الأوضاع، بما في ذلك تحويل العلاقة إلى شراكة حقيقية بالنسب المسوح بها، أو نقل ملكية المنشأة لمن تتوافر فيه شروط التملك، أو إدخال شريك جديد، أو البيع والتنازل والحل يكون بحسب كل حالة. وإحدى أهم الدروس في مكافحة التستر هي: ” كلما أمكن تحويل النشاط الاقتصادي القائم إلى وضع قانوني مشروع، كان ذلك أكثر فاعلية من الاكتفاء بإبقائه في الظل حتى يتحول إلى قضية جزائية“
وفي المقابل، يجب ألا يقود الحرص المشروع على مكافحة التستر إلى التوسع في تفسيره بحيث يطال صوراً طبيعية من الاستثمار أو الإدارة التجارية. فالشركات لا تدار جميعها بواسطة ملاكها، والمواطن مالك الترخيص أو الشركة ليس مطالباً بأن يقف خلف صندوق المحاسبة أو أن يوقع بنفسه كل عقد حتى يثبت أنه المالك الحقيقي. كما أن تمويل المشروع من الغير أو منح المدير صلاحيات واسعة أو الاتفاق على مكافآت مرتبطة بالأرباح لا تشكل، بذاتها، تستراً.
المعيار في نهاية الأمر ينبغي أن يظل منصباً على حقيقة أكثر بساطة: هل يمارس الغير النشاط لحساب المالك، أم يمارسه لحسابه الشخصي مستخدماً المالك كواجهة قانونية؟
وعندما تعرض قضايا التستر مستقبلاً على القضاء الكويتي، فمن المرجح أن تكون الإجابة عن هذا السؤال مستمدة من مجموعة من الوقائع والقرائن مجتمعة: مصدر رأس المال، وحركة الإيرادات، والسيطرة على الحسابات، وطريقة توزيع الأرباح، وتحمل الخسائر، وسلطة تعيين الإدارة وعزلها، والقدرة على التصرف في المنشأة، إلى جانب المستندات والعقود الرسمية.
ولهذا ربما تكون النصيحة العملية الأهم لصاحب أي مشروع خلال الفترة المقبلة ألا يكتفي بسؤال محاسبه أو محاميه: هل الرخصة والعقود سليمة؟
الأدق أن يسأل سؤالاً آخر:
هل ما تقوله أوراق المنشأة يعكس بالفعل الطريقة التي تعمل بها على أرض الواقع؟
فإذا اختلف الاثنان، فإن معالجة هذا الاختلاف الآن قد تكون أهم بكثير من الدفاع عنه لاحقاً.




