مدينون تجاريون… أم ديون معدومة مؤجلة؟
كيف يمكن أن تخفي الشركات والمؤسسات والجمعيات خسائرها داخل بند «المدينون»
بقلم: د. علي عويد رخيص
خبير اقتصادي ومحاسبي – و رئيس لجنة مراقبي الحسابات بجمعية المحاسبين والمراجعين الكويتية
المقدمة – الأصل الذي قد لا يتحول إلى نقد
قد تكون أخطر كلمة في الميزانية هي كلمة «مدينون». لأنها قد تعني أموالًا ستدخل البنك غدًا… وقد تعني خسائر تنتظر فقط اللحظة التي الاعتراف بها.
في ميزانية إحدى الشركات أو المؤسسات او الجمعيات قرأت: مدينون تجاريون 850 ألف دينار.
سألت المدير المالي: كم نسبة التحصيل؟ قال: 95%.
سألت: وكم عمر هذه المديونية؟ سكت.
فتحت كشف الأعمار… 40% منها أكثر من 180 يومًا. بعضها من سنتين!
الميزانية تقول «أصل». والواقع قد يقول «خسارة مؤجلة».
1- الحيلة: لا مخصص = لا خسارة
أسهل طريقة لتجميل الربح هي تأجيل الاعتراف بالخسارة: لا تكوّن مخصصًا كافيًا للمديونيات المشكوك في تحصيلها، فتظل الأرباح أعلى على الورق.
لكن عدم الاعتراف بالمخصص لا يلغي الخسارة الاقتصادية؛ بل قد يؤجل الاعتراف بها محاسبيًا.
وقد توجد في بعض البيئات أو السياسات الداخلية نسب تاريخية أو نسب رقابية للمخصص، لكن تطبيق IFRS 9 لا يقوم على نسبة ثابتة واحدة للجميع. المعيار يعتمد على مفهوم «الخسائر الائتمانية المتوقعة – ECL».
بمعنى آخر: السؤال ليس فقط «هل العميل متعثر اليوم؟»، بل «ما حجم الخسارة الائتمانية التي نتوقعها، بناءً على المعلومات التاريخية والحالية والتوقعات المستقبلية؟».
مثال توضيحي
شركة أو مؤسسة أو جمعية تبيع بالأجل لشركة تموين بمبلغ 200 ألف دينار. تأخرت الشركة 30 يومًا.
لا يصح القول إن IFRS 9 يفرض تلقائيًا مخصصًا بنسبة 10% أو 20% لمجرد مرور 30 يومًا. المطلوب هو تقييم مخاطر الائتمان والبيانات المتاحة واحتمال التعثر وحجم الخسارة المتوقعة، مع مراعاة طبيعة القطاع والضمانات والتدفقات النقدية المتوقعة.
2- أين تكمن الكارثة في الشركات والمؤسسات والجمعيات؟
هناك أرصدة مدينة تستحق تدقيقًا خاصًا، ومنها:
أ- مدينو الموظفين والبطاقات المدنية
موظف استقال وباقي عليه 800 دينار منذ ثلاث سنوات. لا يكفي أن يبقى الرصيد في الميزانية تحت بند «مدينون». يجب السؤال: هل يوجد مسار فعلي للتحصيل؟ وهل تم اتخاذ الإجراءات اللازمة؟ وما الخسارة الائتمانية المتوقعة؟
ب- مدينو الموردين – المرتجعات
بضاعة تالفة تم إرجاعها للمورد ولم يسدد قيمتها. قد يبقى الرصيد كمدين لأشهر، بينما لا توجد أدلة كافية على إمكانية تحصيله.
ج- الشيكات المرتجعة
شيك بقيمة 50 ألف دينار ارتد. لا ينبغي أن يكون الحل المحاسبي مجرد إبقائه في بند المدينين دون متابعة قانونية وتحليل حقيقي لقابلية التحصيل.
النتيجة: قد يكبر بند المدينين سنة بعد سنة، بينما لا تتحول هذه الأرصدة إلى نقد فعلي.
3- IFRS 9: ثلاث مراحل لمخاطر الائتمان
يعتمد IFRS 9 على نموذج الخسائر الائتمانية المتوقعة، ويقسم قياس الخسائر الائتمانية للأصول المالية ضمن إطار المراحل الثلاث التالية:
المرحلة الأولى: عندما لا توجد زيادة جوهرية في مخاطر الائتمان منذ الاعتراف الأولي، يُعترف بالخسائر الائتمانية المتوقعة لمدة 12 شهرًا.
المرحلة الثانية: عندما تحدث زيادة جوهرية في مخاطر الائتمان منذ الاعتراف الأولي، يُعترف بالخسائر الائتمانية المتوقعة على مدى العمر المتبقي للأداة.
المرحلة الثالثة: عندما يصبح الأصل المالي متعثرًا ائتمانيًا، تطبق متطلبات القياس والإيراد ذات الصلة بالأصول المتعثرة.
مهم: التأخر لمدة 30 أو 90 يومًا قد يكون مؤشرًا مهمًا في تقييم مخاطر الائتمان، لكنه لا يعني أن كل حالة تُصنف آليًا وبالطريقة نفسها في جميع الظروف. كما أن المرحلة الثالثة لا تعني تلقائيًا أن المخصص يجب أن يكون 100%.
المعيار لا يطلب رقمًا شكليًا؛ بل يطلب تقديرًا يعكس بصورة معقولة الخسائر الائتمانية المتوقعة.
4- الحل العملي – تقرير واحد يكشف الحقيقة
اطلب من المحاسب تقرير أعمار المدينين Aging Report، لكن لا تكتفِ بعمر الدين. يجب أن يتضمن التقرير أيضًا المخصص المسجل، والمؤشرات على التعثر، والضمانات، والتحصيلات اللاحقة، والإجراءات القانونية.
| عمر الدين | المبلغ | نسبة افتراضية | المخصص الافتراضي |
| أقل من 30 يوم | 300,000 | 1% | 3,000 |
| 31–90 يوم | 200,000 | 10% | 20,000 |
| 91–180 يوم | 150,000 | 50% | 75,000 |
| أكثر من 180 يوم | 200,000 | 100% | 200,000 |
إجمالي المخصص الافتراضي في هذا المثال = 298 ألف دينار، بينما المخصص الحالي = 15 ألف دينار؛ أي أن الفارق يبلغ 283 ألف دينار.
لكن هذه النسب افتراضية لأغراض الشرح فقط، وليست نسبًا إلزامية يفرضها IFRS 9. المخصص الفعلي يجب أن يستند إلى منهجية ECL وبيانات المنشأة وطبيعة محفظة المدينين.
5- لا تنخدع بعمر الدين وحده
ليس كل دين عمره 180 يومًا دينًا معدومًا، وليس كل دين عمره 30 يومًا دينًا سليمًا.
قد يكون هناك مدين متأخر منذ فترة طويلة لكنه مدعوم بضمانات قابلة للتحقق والتحصيل، بينما قد يكون هناك مدين حديث تظهر عليه مؤشرات قوية على التعثر.
لذلك فإن تقرير أعمار الديون هو نقطة البداية، وليس نهاية التحليل.
التحليل المهني يجب أن يربط بين عمر الدين، وسجل التحصيل، والقدرة المالية للمدين، والضمانات، والظروف الاقتصادية، والتوقعات المستقبلية.
6- اختبار الحقيقة: هل المدينون أصل حقيقي أم رقم محاسبي؟
– كم تم تحصيله فعليًا بعد تاريخ الميزانية؟
– كم يبلغ رصيد الديون التي تجاوزت 90 و180 يومًا؟
– هل تم تأكيد الأرصدة مباشرة مع العملاء والمدينين؟
– هل توجد أرصدة متنازع عليها أو متوقفة قانونيًا؟
– هل المخصص الحالي يعكس فعلًا الخسائر الائتمانية المتوقعة؟
إذا لم تستطع الإدارة الإجابة عن هذه الأسئلة، فلا يكفي أن يظهر بند «المدينون» في الميزانية كأصل.
7- قرار مجلس الإدارة
– إعادة تقييم مخصص الخسائر الائتمانية المتوقعة وفق منهجية واضحة ومدعومة بالبيانات.
– تحويل الأرصدة المتعثرة إلى مسار قانوني أو تحصيلي محدد بمدد ومسؤوليات واضحة.
– وقف أو تشديد البيع بالأجل للعملاء الذين تتجاوز مخاطرهم الحدود المعتمدة، وفق سياسة ائتمانية موثقة.
– ربط مؤشرات أداء المبيعات بالتحصيل وجودة العملاء، وليس بحجم المبيعات وحده.
– عرض تقرير دوري على مجلس الإدارة يوضح أعمار المدينين، ونسب التحصيل، والمخصص، والأرصدة المتنازع عليها، والإجراءات المتخذة.
الخاتمة
المخزون يخفي خسارتك في المخزن.
المدينون قد يخفون خسارتك في دفاتر عملائك.
الفرق؟ المخزون تراه بعينك. أما المدينون فلا تعرف قيمتهم الحقيقية إلا عندما تختبر قدرتهم على التحول إلى نقد.
المدينون ليسوا مجرد رقم في الميزانية؛ إنهم وعد نقدي لم يتحول بعد إلى نقد.
وكلما طال الزمن بين تسجيل المبيعات وتحصيل قيمتها، زادت الحاجة إلى السؤال: هل نملك أصلًا ماليًا قابلًا للتحصيل… أم أننا نؤجل الاعتراف بخسارة أصبحت واضحة؟
الميزانية القوية ليست التي فيها مدينون كثير.
الميزانية القوية هي التي فيها مدينون قليلون، واضحو الجودة، مبررو القيمة، وسريعو التحصيل.
في المقال القادم: استثماراتك العقارية.. هل هي تشغيل أم استثمار؟ ولماذا تهرب الشركات والمؤسسات و الجمعيات من القيمة العادلة لها




