طرق كسر احتكار مافيا سوق الأسماك
بقلم/ د. محمد غازي المهنا
محكم تجاري دولي
دكتوراة في الرقابة القانونية على هيئة سوق المال m7md_almuhanna@hotmail.com
تُعرّف «مافيا سوق السمك» بأنها شبكات احتكار وسيطرة غير رسمية تحكم قبضتها على حلقات صيد وتداول وبيع الأسماك، مما يؤدي إلى رفع الأسعار وضرر المستهلكين والصيادين. يتناول هذا التقرير أسباب هذه الظاهرة، مظاهرها، وطرق علاجها بأسلوب مبسط ومباشر.
أسباب ظهور مافيا سوق السمك:
* غياب الرقابة: ضعف التفتيش الميداني في الأسواق ومواقع إنزال الصيد.
* سيطرة العمالة الوافدة غير المرخصة: احتكار مجموعات معينة لمنافذ البيع والبسطات بالتنسيق فيما بينهم.
* التحكم في سلاسل الإمداد: تحكم السماسرة في الصيادين وقبول الأسماك بأسعار بخسة ثم الاحتكار لاحقاً.
* الصيد الجائر للزريعة: قيام عصابات بصيد الأسماك الصغيرة غير المكتملة بطرق مخالفة للقانون لإتلاف المخزون أو استغلاله لمصالح ضيقة.
مظاهر تحكم المافيا في السوق:
* تحديد أسعار موحدة: اتفاق البائعين على سعر مرتفع وثابت لا يقبل المنافسة.
* كسر المنافسين: محاربة أي مواطن أو مستثمر جديد يحاول البيع بأسعار منخفضة أو عادلة عبر حرق الأسعار مؤقتاً حتى يخرج المنافس من السوق.
* التحكم بمزادات الحراج: احتكار شراء الكميات الكبرى في الصباح لبيعها للمستهلكين بأضعاف السعر الحقيقي.
طرق العلاج والحلول المقترحة:
* تشديد الرقابة الحكومية: تفعيل دور حماية المستهلك والبلديات ومراقبة أسعار المزادات علناً.
* تطبيق القوانين بحزم: منع الممارسات الاحتكارية ومعاقبة المخالفين لنظام الصيد والتجارة.
* دعم الصيادين المحليين: فتح منافذ بيع مباشرة للصيادين دون وسيط لتقليل الهيمنة السعرية للوسطاء.
* تنظيم السوق وترخيصه: إعادة تنظيم البسطات والمحلات ومنع التستر التجاري والسيطرة العشوائية.
المقصود بـ “مافيا سوق السمك” هو شبكات ممتدة من كبار التجار، السماسرة، والوسطاء الذين يفرضون احتكاراً كاملاً على عمليات صيد وتوزيع الأسماك، مما يتيح لهم التحكم المنفرد بالأسعار وضمان هوامش ربح خيالية على حساب الصياد البسيط والمستهلك النهائي. تعتمد هذه المافيا على آليات إقصائية تمنع دخول أي منافسين جدد إلى الأسواق.
أساليب سيطرة مافيا سوق السمك:
* التحكم بالوسطاء: إجبار الصيادين على بيع صيدهم بأسعار بخسة للوسطاء قبل وصوله للأسواق.
* الاحتكار الكلي للمحلات: سيطرة تكتلات تجارية معينة على منافذ البيع بالمزاد وتوحيد الأسعار صعوداً.
* حروب كسر الأسعار: خفض الأسعار بشكل مفتعل ومؤقت لتكبيد المستثمرين الجدد خسائر تخرجهم من السوق.
* توجيه الإنتاج للتصدير: تهريب أو تصدير الأنواع الفاخرة لتوفير العملة، مما يتسبب بشح محلي.
* صيد الذريعة العشوائي: أحياناً للصيد الجائر وتدمير الثروة السمكية في البحيرات.
الآثار السلبية على الاقتصاد والمجتمع:
* احتكار فاحش للأسعار: تحول الأسماك إلى سلع باهظة تفوق القدرة الشرائية للبسطاء.
* تراجع الإقبال: إصابة أسواق التجزئة بالركود وعزوف العائلات عن شراء السلع البحرية.
الآليات الحكومية والمجتمعية للعلاج:
تتطلب مواجهة هذا الاحتكار حزمة من الإجراءات التنفيذية والمجتمعية الصارمة لإعادة التوازن للأسواق:
[صياد حر] ──> [منافذ حكومية / بورصة رقمية] ──> [المستهلك مباشرة] (إلغاء حلقة السماسرة)
1- الحلول الحكومية والتنظيمية:
* الرقابة الميدانية الصارمة: تفعيل أدوات وزارة التموين وجهاز حماية المستهلك لتفتيش مزادات الأسواق يومياً.
* تأسيس أسواق موازية: زيادة ضخ الإنتاج من المزارع السمكية الحكومية مباشرة للمواطنين لكسر الغلاء.
* رقمنة المزادات: إنشاء بورصة إلكترونية لبيع الأسماك تضمن الشفافية وتمنع التلاعب بالأسعار خلف الكواليس.
* تقنين التصدير: وضع قيود مشددة على تصدير الأسماك محلياً حتى الاكتفاء التام للسوق الداخلي.
* دعم وتأمين الصيادين: توفير قروض ميسرة ومستلزمات صيد للصيادين لحمايتهم من الوقوع في ديون السماسرة.
2- الحلول الشعبية والمجتمعية:
* سلاح المقاطعة: تطبيق حملات شعبية للامتناع عن الشراء (مثل حملات المقاطعة الشهيرة بالأسواق)، حيث أثبتت فعاليتها بإجبار التجار على خفض الأسعار نتيجة سرعة تلف الأسماك.
* إنشاء تعاونيات استهلاكية: تأسيس جمعيات أهلية تشتري الأسماك من الموانئ مباشرة وتوزعها على الأعضاء بهامش ربح معدوم.
* البدائل الغذائية المؤقتة: الاعتماد على مصادر بروتين بديلة ومقاطعة السلع المبالغ في تسعيرها لحين استقرار بورصة الأسواق.
ومن الأمثلة الناجحة لكسر احتكار مافيا الأسماك: ما استحدثته جمعية صيادي الفجيرة «منصة رقمية» جديدة متخصصة بتوثيق حصيلة الأسماك للصيادين المواطنين، ومساعدتهم على بيع منتجاتهم مباشرة إلى المشترين من دون وسطاء.
وقالت الجمعية لـ«الإمارات اليوم» إن المشروع يستهدف استقطاب أكثر من 100 صياد خلال الفترة المقبلة، وفتح منافذ تسويقية إضافية أمامهم يوسع قاعدة المشترين، ويعزز المنافسة على المنتج المحلي، في خطوة تسهم في تحسين العوائد المالية، والحد من هيمنة الوسطاء على جزء من حركة تداول الأسماك وتسعيرها، عبر توفير قناة بيع مباشرة تربط الصياد بالمشتري ضمن منظومة رقمية أكثر شفافية.
وأكد عدد من الصيادين أن المنصة قد تشكل تحولاً في آلية تسويق الأسماك، من خلال فتح قنوات بيع مباشرة للمشترين، بما يحد من الاعتماد على الوسطاء.
وتفصيلاً، قال رئيس مجلس إدارة جمعية صيادي الفجيرة، محمود حسن سليمان آل علي، لـ«الإمارات اليوم» إن الجمعية وقعت مذكرة تفاهم مع شركة «سوق المأكولات البحرية»، بدعم من وزارة التغير المناخي والبيئة، لإطلاق منصة رقمية متخصصة في توثيق وتتبع حصيلة الأسماك وتسويقها إلكترونياً، في خطوة تستهدف فتح قنوات بيع مباشرة أمام الصيادين المواطنين، وتوسيع قاعدة المشترين، بما يمنحهم فرصة أكبر للحصول على أسعار عادلة لحصيلة صيدهم، بعيداً عن الاعتماد الكلي على قنوات التسويق التقليدية فحسب.
وأضاف أن المشروع يؤسس لمنظومة رقمية متكاملة، توثق أنواع الأسماك وكمياتها وأحجامها ومواسم صيدها، وتتابع حركة المنتج منذ مغادرة قارب الصيد الميناء حتى وصوله إلى المشتري النهائي، بما يوفر قاعدة بيانات دقيقة تدعم استدامة الثروة السمكية وتطوير القطاع مستقبلاً، مؤكداً أن المنصة جاءت استجابة لتحديات تسويقية يواجهها الصيادون منذ سنوات، إذ توفر قناة بيع إضافية لحصيلة الأسماك المحلية، ضمن منظومة رقمية منظمة تجمع الصيادين والمطاعم والفنادق والشركات والمشترين في منصة واحدة.
وختاماً:
هكذا تتحرك (مافيا) سوق السمك في مختلف أسواقنا، تفرض هيمنتها وطريقة عملها في ظل تراخي الرقابة وغياب التشريعات، ليغيب معها أبناء الدولة، بحرهم، وأسماكهم، وليكون ما يحدث في سوق السمك صورة واحدة من صور الهيمنة الأجنبية في أسواقنا وقطاعاتنا الأخرى!
زويبروكن ،المانيا




