مقالات

377 مليون دينار سنوياً… ثمن دخان لا يراه أحد

 

بقلم/ د. عدنان البدر
باحث ومستشار استراتيجي في سياسة الموارد البشرية وبيئة العمل ورئيس ومؤسس الجمعية الكندية الكويتية للصداقة والأعمال
ckbafa@gmail.com

 

  • المعركة الحقيقية ليست في مكان بيع السيجارة، بل في القدرة على خفض الطلب عليها وحماية جيل جديد من الإدمان

  • هناك سلع يدفع المستهلك ثمنها مرة واحدة عند الشراء، وهناك سلع يدفع ثمنها المجتمع سنوات طويلة بعد انتهاء عملية البيع.

  • لا نحتاج إلى حرب على المدخن لأنه إنسان يحتاج إلى المساعدة بقدر حاجته إلى التنظيم، ولا نحتاج كذلك إلى شيطنة التاجر الملتزم.

  • التشريعات الجديدة هي في جوهرها محاولة لإدارة مشكلة صحية واقتصادية واجتماعية أوسع.

  • المعركة الحقيقية أن نجعل بدء التدخين أقل احتمالاً، والإقلاع عنه أكثر سهولة، والاستمرار فيه أقل انتشاراً.

  • الكويت لديها بنية قوية لمكافحة التدخين وخدمات لمساعدة الراغبين في الإقلاع.

  • نجاح التشريع الجديد يحتاج إلى مراقبة سلسلة الإمداد بأكملها: من الاستيراد إلى التخزين والنقل والتوزيع ونقطة البيع وصولاً إلى المستهلك.

  • من يراقب فعلياً منفذ البيع الإلكتروني؟ التجارة بصفته منفذاً بيعياً، أم البيئة بصفته منتجاً يدخل ضمن اشتراطات الانبعاثات؟

  • القرار يضع الكويت في مصاف الدول الأكثر تشدداً في تنظيم هذه الصناعة.

  • الاستثمار في مكافحة التدخين ليس إنفاقاً صحياً فقط، بل استثماراً في رأس المال البشري والإنتاجية الوطنية.

  • مكافحة التدخين ليست سياسة منفصلة عن مكافحة الأمراض المزمنة، بل جزء أصيل من السياسة الصحية والوقائية العامة.

  • تبلغ التكلفة السنوية للمرض المنسوب إلى التدخين في الكويت نحو 377.3 مليون دينار، وعدد الوفيات بنحو 1,387 وفاة سنوياً.

  • بلغ معدل انتشار استخدام التبغ بين من تبلغ أعمارهم 15 عاماً فأكثر 20.5% في 2023، مقابل 17.9% في 2020.

  • 5% من مدخني السجائر الشباب أفادوا بأنهم اشتروها من متجر أو بقالة أو بائع متجول أو كشك أو كافتيريا

 

أربع خطوات مهمة:

  • جدول زمني تنفيذي موحد تلتزم به كل الجهات قبل يناير 2027.
  • قاعدة بيانات إلكترونية مشتركة بقوائم المنتجات المرخصة والمحظورة والمواقع الجغرافية المحظورة.
  • آلية إبلاغ موحدة تُحيل المخالفة تلقائياً إلى الجهة المختصة.
  • نشر علني دوري لمؤشرات الالتزام، لا الاكتفاء برفعها داخلياً لوزير الصحة فقط.

 

«أزمة السجائر»… قانون يمنع البيع في تسعة أماكن، فمن يمنع الجيل القادم من الإدمان؟

بين جشع قلة من التجار، وخمس جهات رقابية بلا قائد واحد، و377 مليون دينار تُدفع سنوياً من دون أن تظهر في أي فاتورة… من يربح من الدخان في الكويت، ومن يدفع الثمن؟

قانون جديد يضيّق منافذ بيع التبغ والنيكوتين… لكن المعركة الحقيقية ليست في مكان بيع السيجارة، بل في القدرة على خفض الطلب عليها وحماية جيل جديد من الإدمان

هناك سلع يدفع المستهلك ثمنها مرة واحدة عند الشراء، وهناك سلع يدفع ثمنها المجتمع سنوات طويلة بعد انتهاء عملية البيع. والسجائر تنتمي بوضوح إلى النوع الثاني؛ فالمدخن يدفع ثمن العلبة من جيبه، لكن التكلفة الحقيقية للتدخين لا تنتهي عند صندوق المحاسبة، بل تعود لاحقاً في صورة علاج وأدوية وعمليات ودخول إلى المستشفيات، وإجازات مرضية، وانخفاض في الإنتاجية، وتقاعد مبكر، وفقدان سنوات من الحياة والعمل، فضلاً عن آثار التدخين السلبي على الأسرة والمجتمع.

من هنا، فإن التشريعات الجديدة التي تتجه الكويت من خلالها إلى تشديد تنظيم بيع وتداول منتجات التبغ والنيكوتين لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها مجرد إجراءات لتنظيم نشاط تجاري أو تحديد أماكن بيع السجائر، بل هي في جوهرها محاولة لإدارة مشكلة صحية واقتصادية واجتماعية أوسع. والسؤال الذي يستحق أن يُطرح بصراحة هو: من يربح من الدخان، ومن يدفع فاتورته؟

20.5% … رقم لا ينبغي أن يمر مرور الكرام

وفق مؤشر الهدف الثالث للتنمية المستدامة الصادر عن الإدارة المركزية للإحصاء، بلغ معدل انتشار استخدام التبغ حالياً بين من تبلغ أعمارهم 15 عاماً فأكثر 20.5% في 2023، مقابل 17.9% في 2020. وراء هذه النسبة آلاف الأفراد والأسر الذين يتعاملون مع النيكوتين يومياً، وما يترتب على ذلك من مخاطر صحية واقتصادية واجتماعية.

والأكثر إثارة للقلق أن المشكلة لا تبدأ عند سن الرشد؛ فنتائج المسح العالمي للتبغ بين الشباب GYTS 2023 للفئة العمرية 13-15 عاماً في الكويت أظهرت أن 13.2% كانوا مستخدمين حاليين لأي نوع من التبغ، وأن نسبة مدخني السجائر تحديداً بلغت 5.8%. أما الرقم الأكثر ارتباطاً بالتشريع الجديد فهو أن 69.5% من مدخني السجائر الشباب الذين شملهم المسح أفادوا بأنهم اشتروا سجائرهم من متجر أو بقالة أو بائع متجول أو كشك أو كافتيريا — وهو ما يجعل تشديد الرقابة على منافذ البيع أكثر من إجراء إداري، إذ يستهدف إحدى القنوات الرئيسية التي يصل من خلالها المنتج إلى القاصر.

هل نستطيع فقط أن نمنع الشاب من شراء السيجارة، أم نستطيع أيضاً أن نمنعه من الرغبة فيها؟

فاتورة لا تظهر على علبة السجائر

المشكلة الاقتصادية الحقيقية للتدخين لا تظهر كاملة في سعر العلبة. ووفق Tobacco Atlas، تبلغ التكلفة السنوية للمرض المنسوب إلى التدخين في الكويت نحو 377.3 مليون دينار، فيما يُقدَّر عدد الوفيات السنوية المنسوبة إليه بنحو 1,387 وفاة. ويشمل هذا التقدير تكاليف صحية مباشرة، وتكاليف غير مباشرة مرتبطة بفقدان الإنتاجية بسبب المرض والوفاة المبكرة. وهنا لا بد من الدقة: هذه أرقام تقديرية بحثية، لكن دلالتها الاقتصادية تستحق التوقف.  فالجزء الأكبر من هذه الفاتورة ليس بالضرورة ما تدفعه وزارة الصحة مباشرة لعلاج المريض، بل ما يخسره الاقتصاد ككل حين يمرض موظف فيغيب عن عمله، أو تنخفض إنتاجية عامل، أو يحتاج مريض إلى علاج طويل الأجل، أو تفقد أسرة أحد أفرادها في سن مبكرة. وهكذا تتحول السيجارة من منتج يشتريه فرد إلى تكلفة تتوزع على المجتمع بأكمله.

المشكلة ليست في الرئة وحدها

عندما نتحدث عن التدخين، غالباً ما تتجه الأنظار إلى سرطان الرئة وأمراض الجهاز التنفسي، لكن الصورة الصحية أكبر من ذلك بكثير؛ فالتبغ أحد عوامل الخطر الرئيسية لعدد من الأمراض غير المعدية، بما فيها أمراض القلب والأوعية الدموية والسرطان. وهذا لا يعني أن التدخين وحده يفسر كل أمراض القلب أو الوفيات في الكويت، فهناك عوامل أخرى كالسكري والسمنة وقلة النشاط البدني والعوامل الوراثية، لكن تجاهل التدخين كعامل خطر قابل للوقاية يترك مساحة مهمة من سياسة الوقاية الصحية دون معالجة. ولهذا فإن مكافحة التدخين ليست سياسة منفصلة عن مكافحة الأمراض المزمنة، بل جزء أصيل من السياسة الصحية والوقائية العامة.  وهذا البُعد غير المباشر — الموظف الذي يغيب، والعامل الذي تقل قدرته على الإنتاج، ومن يترك سوق العمل مبكراً أو يفقد حياته قبل بلوغ سن التقاعد — يفسر لماذا تعطي التقديرات الاقتصادية وزناً كبيراً للتكاليف غير المباشرة. ومن هنا فإن الاستثمار في مكافحة التدخين لا ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه إنفاقاً صحياً فقط، بل استثماراً في رأس المال البشري والإنتاجية الوطنية.

القرار الجديد: خمسة ضوابط وتسعة مواقع محظورة

في هذا السياق، أصدرت وزارة الصحة القرار رقم 237 لسنة 2026، الذي يعيد تنظيم تداول منتجات التبغ والنيكوتين اعتباراً من يناير 2027، بخمسة ضوابط صارمة على المنتجات المسموح بها (الإفصاح الكامل عن المكونات، تحذيرات صحية تغطي 50% من العلبة، حظر الادعاءات الصحية، الالتزام بالمواصفات الفنية، ومنع البيع لمن دون 21 عاماً)، ومنع تام لأربع فئات كاملة، وحظر للبيع في تسعة مواقع تشمل المدارس والمنشآت الصحية والأندية الرياضية والعربات المتنقلة والأكشاك المؤقتة، وصولاً إلى منصات التوصيل الإلكترونية ونطاق 200 متر حول أسوار المؤسسات التعليمية. وعلى الورق، هذا قرار يضع الكويت في مصاف الدول الأكثر تشدداً في تنظيم هذه الصناعة.

الحلقة المفقودة: من يراقب فعلياً؟

لكن بين النص القانوني والتطبيق الفعلي تكمن الحلقة الأخطر في أي تشريع رقابي: من الذي سيتابع، يومياً وبشكل متكامل، أن هذا القرار لا يبقى حبراً على ورق؟ فالقرار يوزّع مسؤولية الرقابة والتفتيش بين وزارة الصحة، والهيئة العامة للبيئة، وشرطة البيئة، والإدارة العامة للجمارك، ووزارة التجارة والصناعة التي تتولى تفتيش البقالات والجمعيات التعاونية والمنافذ التجارية. وهذا التوزيع منطقي نظرياً — كل جهة تراقب ما يقع ضمن اختصاصها الأصلي — لكن التجربة العملية في الكويت وغيرها تكشف أن تعدد الجهات الرقابية، من دون آلية تنسيق ملزمة وجدول زمني موحد وقاعدة بيانات مشتركة، غالباً ما يتحول من ضمانة رقابية مزدوجة إلى ثغرة تتيح لكل جهة إحالة المسؤولية إلى الأخرى عند وقوع المخالفة. فمن يراقب فعلياً منفذ البيع الإلكتروني عبر تطبيق توصيل: التجارة بصفته منفذاً بيعياً، أم البيئة بصفته منتجاً يدخل ضمن اشتراطات الانبعاثات؟

عندما تُوزَّع الرقابة على خمس جهات من دون قائد واحد يملك القرار النهائي، فإن أول ضحية غالباً ليست المخالف، بل التنسيق نفسه.

والمؤشر الأكثر دلالة على حجم هذا التحدي هو استكمال الأطر التنفيذية يتطلب أولاً توقيع الوزير على إجراءات تنظيمية خاصة تمنح مفتشي الرقابة التجارية صلاحية دخول البقالات وضبط المخالفات. أي أن الجهة الأكثر احتكاكاً يومياً بنقاط البيع الفعلية لا تزال تنتظر توقيعاً إدارياً منفصلاً. وكلما طال أمد هذه الفجوة بين صدور القرار وجاهزية الأداة التنفيذية لدى كل جهة، اتسع هامش المناورة أمام من يفضّل تخزين المنتجات أو الترويج المكثف أو الانتقال المبكر إلى قنوات بيع أقل عرضة للتفتيش الفوري.

مثال آخر على هذا التحدي: حظر البيع ضمن نطاق 200 متر من أسوار المؤسسات التعليمية يبدو بسيطاً في نصه، لكنه يستدعي عملياً تنسيقاً مع جهات لم يذكرها القرار صراحة، كالبلدية في تحديد المسافات على الخرائط ووزارة التربية في تزويد الجهات الرقابية بقوائم محدثة بمواقع المدارس. فمن دون قاعدة بيانات جغرافية موحدة يرجع إليها مفتشو التجارة والصحة على حد سواء، سيتحول هذا الشرط الواضح على الورق إلى مادة خلافية في كل عملية تفتيش ميدانية.  وتشير تجارب دولية عديدة في مكافحة التبغ إلى أن نجاح القرارات التنظيمية الطموحة لا يقاس بصرامة نصوصها بقدر ما يقاس بوجود جهة تنسيقية عليا واحدة تجمع تقارير كل الجهات الرقابية وتوحّد آلية الإبلاغ عن المخالفات. والقرار الكويتي يتضمن بذرة هذا الحل حين يُلزم قطاعات وزارة الصحة برصد مؤشرات الانتشار والمخالفات ورفع تقرير دوري لوزير الصحة، لكنه لا يمنحها صراحة صلاحية الإشراف التنفيذي على تفتيش التجارة أو ضبط الجمارك أو رقابة البيئة، ما قد يُبقي التنسيق رهناً بحسن النية الإدارية بين الوزارات لا بآلية مؤسسية ملزمة.  وعليه، يمكن اختصار ما ينقص فعلياً في أربع نقاط: جدول زمني تنفيذي موحد تلتزم به كل الجهات قبل يناير 2027؛ قاعدة بيانات إلكترونية مشتركة بقوائم المنتجات المرخصة والمحظورة والمواقع الجغرافية المحظورة؛ آلية إبلاغ موحدة تُحيل المخالفة تلقائياً إلى الجهة المختصة؛ ونشر علني دوري لمؤشرات الالتزام، لا الاكتفاء برفعها داخلياً لوزير الصحة فقط.

هل المشكلة في التاجر أم في السوق؟

من السهل أن نضع عنواناً يقول «جشع التجار»، لكننا نحتاج إلى أدلة لا إلى أحكام مسبقة. فغالبية المنافذ التجارية في الكويت — من البقالات إلى الجمعيات التعاونية — تلتزم عادة بما تفرضه الجهات الرسمية متى وضح لها الإطار التنفيذي وموعد سريانه. والتاجر الذي يبيع منتجاً مرخصاً ويلتزم بالقانون ليس هو المشكلة بالضرورة؛ المشكلة تبدأ حين تتحول القيود الجديدة إلى فرصة للمضاربة أو رفع الأسعار، أو تخزين المنتجات وخلق ندرة مصطنعة، أو بيع منتجات مجهولة المصدر، أو تجاوز شروط العمر، أو نقل النشاط إلى قنوات غير نظامية.  ولهذا فإن السؤال الرقابي الأدق ليس «هل التجار جشعون؟»، بل «هل توجد منظومة رقابية تمنع استغلال السوق حين تصبح قنوات البيع أكثر تقييداً؟». فحين يبقى الإطار التنفيذي غامضاً أو متأخراً، يجد التاجر نفسه بين خيارين: الانتظار وخسارة مبيعات متوقعة، أو المضي في نشاطه المعتاد إلى أن يأتيه إشعار رسمي بالمخالفة. وفي غياب رقابة موحدة ومتزامنة، يتحول هذا الفراغ إلى مساحة رمادية يستغلها قلة من التجار الانتهازيين — لا الأغلبية الملتزمة — لتصريف مخزون قديم أو فتح قنوات بيع بديلة قبل أن تلتقط الرقابة أنفاسها. بمعنى آخر: ضعف التنسيق المؤسسي لا يخلق الجشع من العدم، لكنه يمنحه فسحة أكبر للتحرك.

التهريب ليس احتمالاً نظرياً

لا نحتاج إلى افتراض وجود سوق سوداء كي نعرف أن محاولات تهريب التبغ موجودة فعلاً. فقد أعلنت الإدارة العامة للجمارك في 13 يوليو 2026 عن ضبط 5,305 علب سجائر داخل مركبة في منفذ النويصيب، بوزن يقارب طناً واحداً، كما أعلنت في 6 يوليو 2026 إحباط محاولة تهريب 481 كرزاً من السجائر كانت مخبأة في أجزاء متعددة من مركبة، شملت الديكورات الداخلية والأبواب والمقاعد والسقف ومجرى التكييف والإطار الاحتياطي.  هذه الضبطيات لا تسمح بالقول إن السوق الكويتية سوق تهريب، ولا يمكن استخدامها وحدها لتقدير حجم السوق غير المشروعة، لكنها تثبت أن التهريب موجود وأن المهربين قادرون على تطوير طرق معقدة لإخفاء المنتجات. وهذا يعني أن نجاح التشريع الجديد لن يتوقف على مراقبة محل البيع فقط، بل يحتاج إلى مراقبة سلسلة الإمداد بأكملها: من الاستيراد إلى التخزين والنقل والتوزيع ونقطة البيع وصولاً إلى المستهلك.

القانون الجديد… بداية المعركة لا نهايتها

اتخذت الكويت خلال 2026 خطوات لتضييق قنوات بيع التبغ، أبرزها القرار الوزاري رقم 27 لسنة 2026 بشأن حظر بيع التبغ والسجائر عبر منصات التوصيل، وهي خطوة مهمة في ظل تحول جزء متزايد من التجارة إلى المنصات الرقمية. لكن التشريع وحده لا يكفي؛ فإذا أغلقت الدولة قناة بيع وانتقل المستهلك إلى قناة غير رسمية، فإن المشكلة لم تختفِ بل تغيّر مكانها، وإذا مُنع الشاب من الشراء من محل لكنه وصل إلى المنتج بسهولة عبر قناة أخرى، فقد القانون جزءاً من فعاليته. ولهذا يجب أن تكون مكافحة التهريب والسوق غير النظامية جزءاً أصيلاً من سياسة مكافحة التبغ، لا ملفاً منفصلاً عنها.

الكويت لا تبدأ من الصفر… لكنها تحتاج مؤشرات نتائج

هناك جانب إيجابي يستحق التأكيد: الكويت لديها بالفعل بنية لمكافحة التدخين وخدمات لمساعدة الراغبين في الإقلاع. لكن نجاح السياسة العامة لا يقاس بعدد العيادات أو البرامج فقط، بل بمعرفة كم شخصاً يطلب المساعدة، وكم منهم ينجح فعلاً في الإقلاع، وكم منهم يعود إلى التدخين، وهل تستمر نتيجة الإقلاع بعد سنة، وكم شاباً نجحنا في منعه من بدء التدخين أصلاً. وهذه المؤشرات يجب أن تصبح جزءاً من التقييم السنوي لسياسة مكافحة التبغ، لا مجرد تفاصيل هامشية.

نحتاج إلى «حساب وطني لتكلفة التبغ»

ربما تكون هذه أهم فكرة يمكن أن نخرج بها من هذا النقاش. فلدينا بيانات عن السكان والوفيات والصحة والتجارة والأسعار وانتشار التبغ والضبطيات الجمركية، لكن ما ينقص هو ربط هذه البيانات في حساب وطني سنوي لتكلفة التبغ — تقرير رسمي واحد يجيب بوضوح عن: كم تنفق الدولة على علاج الأمراض المرتبطة بالتدخين؟ كم تبلغ أيام العمل المفقودة وخسارة الإنتاجية؟ كم عدد الوفيات المبكرة المرتبطة به؟ كم حجم السوق النظامي مقابل المضبوطات؟ وكم تبلغ الإيرادات الحكومية المرتبطة بالتبغ مقارنة بالتكلفة التي يتحملها المجتمع؟ عندها فقط يمكن معرفة الفاتورة الحقيقية للسجائر في الكويت.

لا بد من قياس نجاح القانون

لا ينبغي أن يكون نجاح التشريع الجديد مرهوناً بعدد المخالفات والغرامات؛ فهذه أدوات لتنفيذ القانون وليست الهدف النهائي منه. النتيجة التي يجب البحث عنها هي:

* انخفاض معدل انتشار التبغ.

* انخفاض عدد الشباب الذين يبدأون التدخين.

* ارتفاع معدلات الإقلاع الناجح.

* انخفاض التعرض للتدخين السلبي.

* انخفاض الأمراض والوفيات المرتبطة بالتبغ.

* انخفاض العبء الاقتصادي على النظام الصحي والاقتصاد الوطني.

ويمكننا  أن نضع مؤشرات أداء KPIs واضحة لهذا القانون وتقيس نتائجها بعد سنة وثلاث سنوات وخمس سنوات؛ فالقانون الذي لا تُقاس نتائجه قد ينجح إدارياً لكنه قد يفشل صحياً.

من «منع البيع» إلى «خفض الطلب»

وهنا ينبغي رفع سقف الطموح؛ فالمعركة الحقيقية ليست أن نجعل شراء السيجارة أكثر صعوبة فحسب، بل أن نجعل بدء التدخين أقل احتمالاً، والإقلاع عنه أكثر سهولة، والاستمرار فيه أقل انتشاراً. وهذا يتطلب منظومة متكاملة تجمع بين التشريع والرقابة، وحماية القاصرين، ومكافحة التهريب، والتوعية، وعلاج الإدمان، والسياسات السعرية، والبيانات الدقيقة — من دون اعتماد الدولة على أداة واحدة: فرفع الأسعار من دون مكافحة التهريب قد يوسّع السوق غير النظامية، وتشديد الرقابة من دون علاج فعّال قد يعاقب السلوك دون معالجة الإدمان، والتوعية من دون ضبط منافذ البيع قد تترك الشباب أمام منتج سهل الوصول، والتشريع من دون قياس النتائج قد يجعلنا نحتفل بالتطبيق من دون أن نعرف أثره الحقيقي.

خاتمة: لا نحتاج حرباً على المدخن

في النهاية، نحن لا نحتاج إلى حرب على المدخن؛ فالمدخن إنسان يحتاج إلى المساعدة بقدر حاجته إلى التنظيم، ولا تحتاج كذلك إلى شيطنة التاجر الملتزم. المطلوب هو منظومة متوازنة: تشريع واضح، رقابة فعّالة بقيادة جهة تنسيقية واحدة لا خطوط متوازية، مكافحة للتهريب، حماية صارمة للقاصرين، علاج متاح وميسّر للإقلاع، توعية مستمرة، بيانات شفافة، وسياسة اقتصادية تقيس التكلفة الحقيقية للتبغ.  فالسؤال في النهاية ليس: كم علبة سجائر ستُباع في بعد تطبيق القانون؟ بل: كم شاباً لن يبدأ التدخين؟ وكم مدخناً سيقلع؟ وكم مرضاً ووفاة وفاتورة علاج وإنتاجية مهدرة سنمنعها؟ عندها فقط يمكن القول إننا لم ننجح في تنظيم بيع السجائر فحسب، بل بدأنا فعلاً في تقليص اقتصاد التدخين نفسه. وهذه هي المعركة التي تستحق أن نخوضها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى