
في عالم المال والأعمال تتقدم الجرائم المالية أحيانا أسرع من أعظم الاكتشافات. عبر التاريخ، برع الكثير من المحتالين في استغلال الثقة وسذاجة الآخرين لتحقيق ثروات هائلة، وطابور المحتالين لا يتوقف عن النمو، بدءاً من رموز الاحتيال الأمريكي برنارد مادوف إلى الإيطالي نيك ليسون إلى إليزابيث بيغلي، الكندية الذكية، واسمها الحقيقي كاسي تشادويك، إلى كارلو بونزي المحتال الإيطالي الذي يُعرف بأنه مبتكر أحد أكبر نماذج الاحتيال المالي في التاريخ.
لكن بعض المحتالين الجدد في العصر الحديث فاقوا هؤلاء الرموز التي يُضرب بها المثل حتى الآن. الموظف البسيط الذي يكون ثروة بقيمة 52 مليون من الهواء، حتماً هو أذكى من الكندية إليزابيث بيغلي، خصوصاً وأنه كونها على حساب الغير وبألاعيب محترفة من بوابة المكافآت والعمولات وأسهم خيار الموظفين، كل القصة “اغرف لنفسك” أكثر وأكثر، فمن يستطيع مسائلتك وأنت رئيس مجلس الإدارة وبيدك قرار التعيين وإنهاء الخدمات أو نفي القيادات المهنية والشريفة التي لا تقبل أي ممارسات محاسبية موصومة بالتدليس!!
لقد فاقت ألاعيب الموظف الصعلوك أشهر المحتالين في عالم المال والأعمال، فوضع مع عصابة خلف الستار مخطط شيطاني طويل الأجل، كانوا يخططون ليل نهار منذ عقد ونصف تقريباً لعملية احتيال منظمة ممنهجة “ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب”، وطابور السذج والمرتزقة والمأجورين والمطبلاتية والدمبكجية، وما أكثرهم، والمتبرعين لهذه الأدوار عزفوا بدون وعي وتصدروا للدفاع وكأنهم بلا عقل.
فيما نجحت العصابة الشيطانية في تنفيذ أكبر عملية التهام في التاريخ حسب الأصول وحسب القوانين ووفقاً للدراسات التي تم شراؤها من (أسمنها شارب)، أسماء رنانة وطويلة، بنوك استثمارية ووكالات تصنيفية، وبيوت استشارية ممن يدعون أنهم من أًصحاب النزاهة ومن مدارس الأرقام ولا يُشق لهم غبار، كيف لا وهم الوجهة الأولى في كل أنحاء العالم الذين يقدمون الدراسات والتقييمات لأهم الأسواق وأكبر الصفقات.
أدوات اللعبة بسيطة، “ناطور” يقوم بدور “واجهة” للمخطط الشيطاني، يمثل دور الأراجوز ويبيع القصة الوهمية على مسامع الجميع بأرقام رنانة، وفرق كومبارس لكل فرقة “مايسترو” يعزف معزوفة بعيداً عن الآخر من زاوية مختلفة، حتى يشتت الانتباه بكثرة الأرقام، وتسحر أعينهم وأذانهم ببريق الأرقام المزيفة.
المهم أن الواقعة وقعت، ونجح الممثل العظيم الذي سوف يزيح المحتال “مادوف” عن عرش المحتالين، فقد قبض الـ52 مليون، وباتت أرصدته متخمة ومتضخمة وأصبح في حالة حيرة، أين يودعهم أو يفرقهم!!
لكن مصير كل محتال معروف، مهما طال الزمن يأتي على رأس كل مرحلة من يجتث الفساد والإفساد والمفسدين، ومن يريد أن يتعظ يتمعن في قول الحق، “إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ”.




