موازنة الجزائر لعام 2026 الأكبر… تحوّل استراتيجي لبناء اقتصاد متنوع ومستدام
بقلم – ليما راشد الملا
مع نهاية عام 2025، دخلت الجزائر مرحلة اقتصادية جديدة تُعد من الأهم في تاريخها الحديث، بعد المصادقة على أكبر موازنة عرفتها البلاد منذ الاستقلال. ففي 15 ديسمبر، وقّع رئيس الجمهورية عبدالمجيد تبون قانون المالية لسنة 2026، بموازنة تجاوزت 135 مليار دولار، مسجلة زيادة تُقدَّر بنحو 8 مليارات دولار مقارنة بموازنة 2025. هذا الرقم القياسي لا يعني توسعًا في الإنفاق فقط، بل يعبّر عن تحوّل عميق في الرؤية الاقتصادية للدولة الجزائرية.
لم تعد موازنة 2026 عبارة عن وثيقة مالية لتنظيم الإيرادات والنفقات، بل تحوّلت إلى رؤية اقتصادية واضحة المعالم، يعلن دخول الجزائر مرحلة انتقالية نحو نموذج اقتصادي جديد. نموذج يقوم على تقليص الاعتماد على المحروقات، وبناء اقتصاد متنوع ومستدام، قادر على الصمود أمام تقلبات الأسواق العالمية والتحديات الجيوسياسية المتسارعة.
مؤشرات مالية تُترجم أولويات الدولة الاستراتيجية
تفاصيل موازنة 2026 تكشف بوضوح توجهات السلطة التنفيذية. فقد خُصص نحو 45 مليار دولار للأجور، في خطوة تهدف إلى الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي وتحسين القدرة الشرائية، خصوصًا في ظل الضغوط التضخمية العالمية. كما رُصدت 5 مليارات دولار لدعم المواد الأساسية، بما يؤكد استمرار التزام الدولة بحماية الفئات المتوسطة والضعيفة من تقلبات الأسعار.
ومن أهم ما حملته الموازنة، تخصيص 3 مليارات دولار لمنحة البطالة، يستفيد منها أكثر من مليوني جزائري، في إطار سياسة اجتماعية تُعد من الأوسع في المنطقة. هذا التوجه يؤكد أن التحول الاقتصادي لا يأتي على حساب البعد الاجتماعي، بل يسير بالتوازي معه.
الاستثمار… ركيزة التحول الحقيقي
في المقابل، خُصص مبلغ يناهز 31 مليار دولار للاستثمار العمومي، وهو الرقم الذي يُعد حجر الأساس في مشروع التحول الاقتصادي. هذه الاستثمارات موجّهة أساسًا نحو قطاعات استراتيجية، تشمل الصناعة التحويلية، الفلاحة، المناجم، والاقتصاد الرقمي، إضافة إلى مشاريع البنية التحتية الداعمة للإنتاج والتصدير.
ورغم تسجيل عجز متوقّع ، ترى الحكومة الجزائرية أن هذا العجز “مُتحكَّم فيه”، كونه موجّهًا لتمويل التحول الهيكلي للاقتصاد، وليس مجرد نفقات استهلاكية. فالدولة تراهن على أن هذه الاستثمارات ستُثمر نموًا مستدامًا على المدى المتوسط والبعيد.
تنويع الاقتصاد وكسر التبعية للمحروقات
العنوان الأهم لموازنة 2026 هو تنويع مصادر الدخل. فالجزائر تسعى بوضوح إلى كسر التبعية التاريخية لعائدات النفط والغاز، عبر تشجيع التصدير خارج قطاع المحروقات، وتبسيط النظام الجبائي، وتحسين مناخ الأعمال، ودعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والشركات الناشئة.
كما تولي الدولة اهتمامًا خاصًا بالاقتصاد الرقمي، باعتباره أحد مفاتيح النمو في المستقبل، إلى جانب تطوير الفلاحة لتحقيق الأمن الغذائي، واستغلال الثروات المنجمية بشكل أكثر فعالية وقيمة مضافة.
آفاق النمو ورهان القطاعات غير النفطية
في هذا السياق، أكد وزير المالية الجزائري عبد الكريم بوزرد أن المؤشرات الاقتصادية إيجابية، متوقعًا أن يصل معدل النمو إلى 4.5% بحلول عام 2028، تقوده بالأساس القطاعات غير النفطية. هذا التصريح يعني تحولًا واضحًا في الخطاب الرسمي، حيث لم يعد النمو مرهونًا بأسعار النفط، بل بقدرة الاقتصاد الوطني على الإنتاج والتصدير وخلق فرص العمل.
اقتصاد سيادي لمستقبل مستقل
في المحصلة، تمثل موازنة 2026 أكبر من مجرد أرقام قياسية. إنها تعبير عن رؤية سياسية واقتصادية جديدة، تراهن على اقتصاد سيادي يضمن للجزائر استقلالية القرار، واستقرار التنمية، وقدرة أكبر على مواجهة الصدمات الخارجية.
النفط، في هذا النموذج الجديد، لم يعد هدفًا بحد ذاته، بل وسيلة انتقال نحو اقتصاد متنوع وأكثر توازنًا. وبين الطموح والتحديات، تبقى السنوات المقبلة الاختبار الحقيقي لنجاح هذه الرؤية، لكن المؤكد أن الجزائر وضعت، عبر موازنة 2026، حجر الأساس لمرحلة اقتصادية مختلفة، قد تعيد رسم موقعها في الخريطة الاقتصادية الإقليمية والدولية.
في المحصلة، لا تُقاس موازنة الجزائر لعام 2026 بحجمها القياسي فقط، بل بما تحمله من رؤية واضحة لمستقبل مختلف. فهي موازنة تسعى إلى تحقيق التوازن بين البعد الاجتماعي ومتطلبات التحول الاقتصادي، وتضع أسس اقتصاد أكثر تنوعًا واستقلالية. وبينما تبقى التحديات قائمة، فإن ما يميز هذه المرحلة هو وضوح الاتجاه والإرادة في الانتقال من اقتصاد يعتمد على الموارد إلى اقتصاد يقوم على الإنتاج والقيمة المضافة. هكذا، تفتح الجزائر صفحة جديدة في مسارها الاقتصادي، عنوانها الاستدامة، والسيادة، وبناء مستقبل أكثر استقرارًا للأجيال القادمة.


