مقالات

كيف تعيد رسوم ترامب رسم خريطة السيارات والذكاء الاصطناعي لصالح دول مجلس التعاون الخليجي؟

 

بقلم/ د. عدنان البدر
باحث ومستشار استراتيجي في سياسة الموارد البشرية وبيئة العمل ورئيس ومؤسس الجمعية الكندية الكويتية للصداقة والأعمال
ckbafa@gmail.com

 

  • سلوفاكيا لم تعتمد على حجم طلبها المحلي، بل أصبحت خط إنتاج لأوروبا كلها

  • القيمة تأتي من التصنيع والتصدير، لا من الاستهلاك الداخلي.

  • سلوفاكيا، البلد الصغير بنفس عدد سكان الكويت يصنع ما يقارب مليون سيارة سنوياً، كيف؟!

  • هل يمكن للخليج العربي أن يكرّر نموذج «سلوفاكيا السيارات» ويصبح مركزاً مزدوجاً للتكنولوجيا المتقدمة ؟

  • بناء مركز إقليمي لرقائق الذكاء الاصطناعي يمكن أن يخدم مباشرة صناعة سيارات كهربائية، لتشكيل سلسلة قيمة متكاملة.

  • النجاح يتطلب كتلة إستراتيجية من الاستثمارات في «عناقيد صناعية» لا مشاريع متفرقة.

  • يمكن لدول مجلس التعاون الخليجي أن يستهدف نموذجاً مزدوجاً: أن يكون «سلوفاكيا السيارات + تايوان الرقائق» بحجم إقليمي، لا وطني.

  • إطلاق «أكاديميات سيارات كهربائية وذكاء اصطناعي» بالتعاون مع شركات عالمية.

  • المطلوب انتقال من فكرة «جذب استثمار» إلى بناء منظومة صناعية–تعليمية–تشريعية متكاملة.

  • وضع أطر واضحة لحماية حقوق الملكية الفكرية، وحقوق العمالة، لتشجيع الشركات على نقل «أجزاء من عقلها التقني» إلى المنطقة.

  • ربط التدريب بفرص عمل مضمونة داخل المناطق الصناعية، بحيث تكون كل دفعة طلابية مرتبطة باحتياجات مصانع محددة.

 

تحوّل الذكاء الاصطناعي في دول مجلس التعاون الخليجي إلى «سلوفاكيا جديدة» لصناعة السيارات: هل يمكن تكرار المعجزة الصناعية؟

الحديث عن دول مجلس التعاون الخليجي كمركز عالمي لتصنيع رقائق الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد دعاية تسويقية؛ شركات كبرى مثل «إنتل» بدأت تتعامل مع المنطقة كساحة استثمار إستراتيجي في البنية التحتية للحوسبة المتقدمة، بدعم حكومي ضخم ورؤية طويلة الأمد للتحول الاقتصادي. هذه الصورة تذكّرنا بتجربة تبدو بعيدة جغرافياً، لكنها قريبة جداً مفهوماً: سلوفاكيا، البلد الصغير الذي يحوّل اليوم ما يقارب مليون سيارة سنوياً، ومع مصنع «فولفو» الجديد في 2027 يقترب من 1.25 مليون سيارة، أي أكثر من سيارة واحدة لكل أربعة مواطنين سنوياً.  شركات السيارات الكبرى مثل فولكسفاجن، وكيا، وستيلانتيس، وجاغوار لاند روفر، وفولفو لديها استثمارات كبيرة هناك. حيث استثمر مصنع كيا في جيلينا، والذي يوظف ٣٧٠٠ شخص، مبلغ ١٢٦ مليون دولار في إنتاج المركبات الكهربائية. ويبلغ متوسط الراتب حوالي ٢٨٠٠ دولار. ويساهم قطاع السيارات في سلوفاكيا، المدعوم من حوافز حكومية، بشكل كبير في الاقتصاد، حيث يعمل أكثر من ٢٠٠٠٠ شخص بشكل مباشر في كيا ومورديها. ويتكيف نظام التعليم التقني في البلاد بشكل جيد مع احتياجات الصناعة.  السؤال الجوهري لراسمي السياسات في الخليج العربي هو: هل يمكن لدول مجلس التعاون الخليجي أن يكرّر نموذج «سلوفاكيا السيارات» في مجالين معاً – صناعة رقائق الذكاء الاصطناعي، وتجميع السيارات الكهربائية والذكية – بحيث يصبح مركزاً مزدوجاً للتكنولوجيا المتقدمة ويوظّف آلاف الشباب في وظائف عالية المهارة؟

سلوفاكيا بحجم سكان الكويت: كيف بنت دولة صغيرة «قوة سيارات» عالمية؟

تجربة سلوفاكيا تقدّم خمس رسائل أساسية:

1- تركيز صناعي حاد:
البلد ركّز سياساته الصناعية حول قطاع واحد واضح – السيارات – فاستقطب علامات مثل فولكسفاغن وبيجو وكيا وفولفو، وبنى سلسلة توريد محلية مرتبطة بها، من قطع الغيار إلى الخدمات الهندسية.

2- عرض قيمة جذّاب للمستثمر:

* موقع في قلب أوروبا وقرب من الأسواق الكبرى.

* بنية تحتية لوجستية لائقة.

* حوافز ضريبية وتمويلية واضحة، مع استقرار تشريعي.

3- قوة عمل يمكن تطويرها بسرعة:
الاستثمار لم يكن في الرواتب منخفضة الكلفة فقط، بل في برامج تدريب مهني وتقني مكثّفة ربطت الجامعات والمعاهد بمصانع السيارات.

4- سوق محلي صغير لكنه «منصة تصدير»:
سلوفاكيا لم تعتمد على حجم طلبها المحلي، بل أصبحت خط إنتاج لأوروبا كلها؛ القيمة تأتي من التصنيع والتصدير، لا من الاستهلاك الداخلي.

5- تعاقدات طويلة الأجل مع لاعبين إستراتيجيين:
عقود استثمار تمتد لعقود، ما أعطى ثقة للشركات لبناء مصانع كثيفة رأس المال وتطوير موردين محليين. هذا النموذج يمكن النظر إليه كـ Blueprint لصناع السياسات في الخليج العربي مع ضرورة تكييفه مع واقع مختلف تماماً في التركيبة السكانية والموارد.

سيناريو الذكاء الاصطناعي في الخليج العربي: ما الذي يتشكّل فعلياً؟

في مسار الذكاء الاصطناعي، دول مجلس التعاون الخليجي تتحرك على أربعة محاور متوازية:

1- استثمارات هائلة في مراكز بيانات ورقائق AI:

* مشاريع لسحابة حوسبية عملاقة ومراكز بيانات «Hyperscale» مدعومة بطلب متزايد على نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي.

* اهتمام شركات عالمية بتوطين جزء من سلاسل القيمة (التجميع، الاختبار، التغليف، وربما تصنيع بعض الرقائق أو وحدات المعالجة المخصّصة).

2- استراتيجية «تحويل النفط إلى بيانات»:
الرؤية تقوم على استبدال جزء من عائدات الموارد الطبيعية بعوائد من البنية التحتية الرقمية والذكاء الاصطناعي، بحيث تصبح المنطقة مضيفاً رئيسياً للتطبيقات العالمية، من النماذج اللغوية إلى حلول المدن الذكية.

3- رأس مال مالي وسيادي ضخم:
صناديق الخليج السيادية 33 % من أكبر 100 عالمياً حيث بلغ مجموع أصول صناديق الثروة السيادية الخليجية 89 تريليون وهو الأعلى بين أكبر 100 صندوق سيادي عالمي تبلغ قيمتها 14.8 تريليون، ما يشكل حصة واسعة من أصول أكبر 100 صندوق سيادي عالمي تقدر بـ 33.1 %. .  هذه الصناديق السيادية تملك القدرة على الدخول كشريك رأسمالي في شركات رقاقات، ومنصات سحابية، وشركات سيارات كهربائية وذاتية القيادة، ما يتيح للمنطقة أن تكون «مستثمراً ومضيفاً» في آن واحد.

4- شريحة سكانية شابة:
بلغ عدد سكان دول مجلس التعاون الخليجي 5 مليون نسمة في عام 2024 مقارنة بـ52.9 مليوناً في 2019، مسجلاً نمواً سكانياً متواصلاً، مع توقعات بارتفاع العدد إلى 83.6 مليون نسمة بحلول عام 2050. وسجل المجلس معدل نمو سنوي يقارب 2.8% خلال الفترة 2019–2024، وهو أعلى بثلاثة أضعاف من المعدل العالمي البالغ 0.9% .  إجمالي عدد اليافعين والشباب في دول مجلس التعاون (المرحلة العمرية من 10 إلى 24 عاما حتى عام 2022) بلغ 11.8 مليون يافع وشاب، مشكلين ما نسبته 20.9% من إجمالي عدد السكان.  وذكر التقرير أن المواطنين الخليجيين الذكور شكلوا ما نسبته 54.8% مقابل 45.2% للإناث من إجمالي عدد السكان، وذلك بحسب بيانات عام 2022.  ملايين الشباب الخليجي يمكن أن يكونوا قاعدة عملاء ومستخدمين ومهندسين في الوقت نفسه، إذا أُحسن الاستثمار في المهارات الرقمية والهندسية.هذا المسار يهيّئ أرضية لكي تصبح المنطقة مركزاً لرقائق الذكاء الاصطناعي، لكن نجاحه يتوقف على القدرة على جذب «خطوط إنتاج حقيقية» لا مجرد استضافة مراكز بيانات.

 

هل يمكن نسخ سيناريو سلوفاكيا للسيارات في الشرق الأوسط؟

من منظور تحليلي، هناك مجالان للتقاطع بين التجربتين:

1- صناعة السيارات الكهربائية والذكية:

* شركات السيارات تبحث عن مواقع جديدة لتجميع سيارات كهربائية وذاتية القيادة قرب أسواق نامية، مع سلاسل توريد مرنة.

* الشرق الأوسط يملك:

– موانئ ومناطق حرة متقدمة.

– طاقة رخيصة ومتزايداً فيها عنصر الطاقات المتجددة.

– قرباً جغرافياً من أوروبا وأفريقيا وآسيا.

– يمكن تصميم عرض قيمة شبيه بسلوفاكيا:

– مناطق صناعية متخصصة في تجميع السيارات الكهربائية.

– حوافز ضريبية وجمركية.
-منظومة تدريب فني وهندسي متخصصة في السيارات والبطاريات والإلكترونيات.

3- تكامل السيارات مع الذكاء الاصطناعي:

* السيارات الحديثة هي «حواسيب على عجلات»:

– رقائق لمعالجة القيادة المساعدة والذاتية.

– أنظمة ترفيه واتصال متقدمة.

بالتالي، بناء مركز إقليمي لرقائق الذكاء الاصطناعي يمكن أن يخدم مباشرة صناعة سيارات كهربائية تُجمع في المنطقة، لتشكيل سلسلة قيمة متكاملة:

* رقائق ومعالجات.

* وحدات تحكم وأنظمة برمجية.

* تجميع السيارة واختبارها وتصديرها.

بهذا المعنى، يمكن لدول مجلس التعاون الخليجي أن يستهدف نموذجاً مزدوجاً: أن يكون «سلوفاكيا السيارات + تايوان الرقائق» بحجم إقليمي، لا وطني.

 

ما المطلوب لنجاح هذا السيناريو وتوظيف آلاف الشباب الخليجي؟

نضع أمام صناع القرار جدول عمل واضحاً من خمس ركائز:

1- اختيار مواقع تركّز صناعي واضحة:

كما فعلت سلوفاكيا بالتركيز على السيارات، تحتاج دول المنطقة لقرارات صريحة:

* أي دولة/مدينة تقود الرقائق؟

* أي دولة/مدينة تقود السيارات الكهربائية؟

* استغلال انفتاح واشنطن التكنولوجي على الخليج في مجال رقاقات AI لبناء بنية تحتية حوسبية متقدمة.

* استغلال ضغط الرسوم على أوروبا وآسيا لجذب خطوط إنتاج سيارات كهربائية وذكية تبحث عن تكاليف أقل وأسواق جديدة.

* تحويل كل ذلك إلى منظومة تعليم وتوظيف تُخرج مئات الآلاف من الشباب العرب من دائرة البطالة إلى قلب صناعة عالمية عالية التقنية.

* النجاح يتطلب كتلة إستراتيجية من الاستثمارات في «عناقيد صناعية» لا مشاريع متفرقة.

2- تصميم حوافز استثمار مرتبطة بالأداء وليس فقط الإعفاءات:

* ربط الحوافز بعدد الوظائف المحلية عالية المهارة، ونقل التقنية، ونسبة المحتوى المحلي، لا بمجرد حجم رأس المال.

* تقديم نماذج شراكة مرنة:

– شراكات بين الصناديق السيادية وشركات عالمية.

– عقود طويلة الأجل تؤمّن استقراراً للشركات وتضمن مكاسب تنموية للدولة.

3- بناء رأس مال بشري متخصص:

* إطلاق «أكاديميات سيارات كهربائية وذكاء اصطناعي» بالتعاون مع شركات عالمية، على غرار ما فعلته سلوفاكيا مع مصنعي السيارات.

* تحويل جزء من برامج الابتعاث والمنح الجامعية إلى تخصصات:

– هندسة رقاقات وأنظمة مدمجة.

– علوم بيانات وذكاء اصطناعي.

– هندسة سيارات كهربائية وأنظمة تحكم.

* ربط التدريب بفرص عمل مضمونة داخل المناطق الصناعية، بحيث تكون كل دفعة طلابية مرتبطة باحتياجات مصانع محددة.

4- تكامل لوجستي وتنظيمي إقليمي:

* توحيد أو مواءمة بعض المعايير الفنية والجمركية بين دول الخليج، بحيث تستطيع الشركات استخدام المنطقة كقاعدة إنتاج وتوزيع موحدة.

* تطوير خطوط سكك وموانئ ومناطق حرة تتكامل في شبكة واحدة، تسمح بتجميع المركبات في دولة، وتصديرها عبر أخرى، ونقل المكونات بسهولة وكلفة منخفضة.

5- حوكمة رقمية وصناعية تحمي الاستثمارات والمهارات:

* وضع أطر واضحة لحماية حقوق الملكية الفكرية، ونقل التكنولوجيا، وحقوق العمالة الماهرة، لتشجيع الشركات على نقل «أجزاء من عقلها التقني» إلى المنطقة، لا خطوط التجميع فقط.

* سياسات للإقامة واستقدام الكفاءات ترتبط بنقل الخبرة للشباب المحليين: مهندسون وفنيون عالميون يعملون كمدرّبين وقادة فرق مختلطة.

الفرصة السكانية: من بطالة الشباب إلى قوة عمل تقنية

دول مجلس التعاون يواجه مفارقة حادّة: أعلى نسب بطالة بين الشباب عالمياً من جهة، وأعلى نسب استخدام للتكنولوجيا والهواتف الذكية من جهة أخرى.  السيناريو المزدوج – مركز لرقائق الذكاء الاصطناعي ومركز لتجميع السيارات الكهربائية – يمكن أن:

* يخلق آلاف الوظائف المباشرة في الهندسة والتقنية والتشغيل والصيانة.

* يفتح مسارات مهنية جديدة للشباب بعيداً عن الوظائف الحكومية التقليدية.

* يبني مهارات قابلة للتصدير، بحيث يصبح الشباب الخليجي مطلوبين للعمل في مصانع ومراكز تقنية خارج المنطقة أيضاً.  لكن ذلك لن يحدث تلقائياً؛ المطلوب انتقال من فكرة «جذب استثمار» إلى بناء منظومة صناعية–تعليمية–تشريعية متكاملة، تماماً كما فعلت دول صغيرة لكنها حاسمة في سلاسل القيمة العالمية مثل سلوفاكيا وتايوان.

خاتمة تحليلية

إن كانت سلوفاكيا قد حولت الرساميل الأجنبية إلى مليون سيارة في بلد من خمسة ملايين نسمة، فدول مجلس التعاون الخليجي – بحجمه السكاني والمالي – يستطيع أن يطمح إلى ما هو أكبر: أن يصبح عقدة إنتاجية رئيسية في اقتصاد ما بعد حرب الرسوم، حيث تُبنى القيمة الحقيقية في تقاطع الذكاء الاصطناعي مع الصناعة، لا في الاستهلاك فقط.  الاختيار اليوم بين أن تظل دول مجلس التعاون الخليجي مجرد “سوق ضخم” للسيارات والتطبيقات الذكية، أو أن تتحول إلى “قاعدة إنتاج عالمية” لهذه الصناعات، يشبه تماماً الخيار الذي حسمته سلوفاكيا قبل عقدين – والذي صنع فارقاً تاريخياً في مسيرتها الاقتصادية.

المطلوب اليوم هو تحويل الخليج من محطة عابرة في رحلة منتجات صُنعت في مكان آخر، إلى حاضنة حقيقية لصناعة الذكاء الاصطناعي والسيارات الكهربائية معاً. الفرصة قائمة، والإمكانيات متاحة، والسؤال الوحيد المتبقي: هل سيُحسن صناع القرار استغلال هذه النافذة التاريخية قبل أن تُغلق؟

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى