مفهوم الألم بين القرآن والمنفعة في الفكر الاقتصادي
بقلم/د. محمد جميل الشبشيري
Elshebshiry@outlook.com
عندما نتألم، يتولد لدينا سؤال وجودي: لماذا هذا الألم؟ وكيف نتعامل معه؟ الفلسفة الغربية الحديثة، ممثلة بجيرمي بنثام، قدمت إجابة بسيطة: الألم شر يجب التخلص منه، والمطلوب هو تعظيم اللذة وتقليل الألم. لكن سورة من القرآن الكريم، وتحديدًا سورة ص، تقدم لنا رؤية مغايرة تمامًا. إنها لا ترى في الألم مجرد عائق يعترض طريق السعادة، بل تراه أداة بناء، وسلّمًا للارتقاء.
في هذا المقال، نقرأ سورة ص كنموذج متكامل لإدارة الألم الإنساني، ونقارنها بالتصور النفعي الذي هيمن على الفكر الاقتصادي والأخلاقي لقرون.
تعريف بسورة ص وجيرمي بنثام
قبل أن ندخل في صلب المقارنة، يجدر بنا أن نتعرف سريعًا على “الطرفين” اللذين نضعهما وجهًا لوجه. سورة ص هي السورة الثامنة والثلاثون في ترتيب المصحف، مكية في قول أكثر المفسرين، وتتميز بتركيزها على قصص الأنبياء أيوب وداود وسليمان، إلى جانب مشهد إبليس مع آدم. اسمها مأخوذ من الحرف المقطّع (ص) الذي افتتحت به، وهو حرف يحمل إيحاءات صوتية تربطها أجواء السورة بالصبر والصدع بالحق. أما جيرمي بنثام (1748-1832)، فهو فيلسوف إنجليزي يُعتبر مؤسس المذهب النفعي في الأخلاق والفلسفة السياسية. جوهر نظريته بسيط: الفعل الأخلاقي هو ما يحقق “أعظم سعادة لأكبر عدد من الناس”، وهذه السعادة تُقاس بمعادلة اللذة والألم. في كتابه الشهير “مقدمة لمبادئ الأخلاق والتشريع”، وضع بنثام “حسابًا أخلاقيًا” يشبه الميزان، يزن شدة ومدة وقرب ويقين اللذة مقابل الألم. بين هذين القطبين — التدبير القرآني للألم والحساب النفعي الفلسفي — يدور مقالنا.
تنبيه منهجي
إن إجراء مقارنة بين سورة ص وفكر جيرمي بنثام لا يعني بحال من الأحوال المساواة بين ما نزل من هدي إلهي وما توصل إليه اجتهاد بشري، بل هو محاولة لفهم الفجوة بين التصورين، وإعادة تشكيل مفهوم الألم الذي قامت عليه أسس الاقتصاد النفعي، سعيًا لبناء بديل أخلاقي أعمق.
القرآن واللذة والألم: ميزان لا معادلة حسابية
لا يُغفل القرآن اللذة والألم، بل يحضرهما بقوة، لكن بطريقة مختلفة تمامًا عن المنطق النفعي. إنه يربطهما بسلوكك أنت، وبما تفعل، وبما تؤول إليه خطواتك. فاللذة في القرآن قد تكون متاعًا عابرًا في هذه الدنيا، يلهيك لحظات ثم يخلف فيك فراغًا، وقد تكون نعيمًا مقيمًا في الآخرة هو الكمال الحقيقي الذي تشتهيه نفسك وتقر به عينك. أما الألم، فهو ليس شرًا دخل الحياة من باب الخطأ، بل هو جزء من سنن الله التي لا تتبدل: اختبارات هنا تعجل بك لتنمو وتتزكى، أو عذاب هناك لمن انحرف وظلم. القرآن لا يجعل من اللذة هدفًا مطلقًا، ولا من الألم عدوًا مطلقًا. إنه يعيد ترتيب كل شيء في ميزان الهداية. قد تكره شيئًا وفيه خيرك كله، وقد تحب شيئًا وفيه دمارك. القيمة الحقيقية ليست في مقدار ما تتألم أو تلتذ الآن، بل في المعنى الذي يقودك إليه الألم أو اللذة. وهنا الفارق بين آلة تحصي اللذات، وإنسان يسأل: لماذا أتألم؟ وإلى ماذا يقودني هذا الألم؟
أولاً: أربعة وجوه للألم في سورة ص
1) ألم الكبر (ألم الوعي المنغلق)
يظهر في إبليس: “أنا خير منه”، وفي الكافرين: “في عزة وشقاق”. طبيعته: ألم ناتج عن تضخم الأنا ورفض الحقيقة. نتيجته: عزلة روحية وانفصال عن الواقع. هذا النوع لا يُحل بزيادة “اللذة”، بل بكسر مركزية الذات.
2) ألم الابتلاء (الألم البنّاء)
في قصة أيوب عليه السلام: فقد، مرض، معاناة جسدية ونفسية. وظيفته: اختبار الصبر وإعادة تشكيل الإيمان. هنا الألم ليس خللًا يجب إزالته فورًا، بل أداة بناء أخلاقي.
3) ألم الخطأ والتنبيه (ألم الضمير)
عند داود عليه السلام حين تنبّه للحكم المتسرع. طبيعته: شعور بالذنب والرجوع. وظيفته: تصحيح السلوك ورفع مستوى العدالة الداخلية. هذا ألم “تصحيحي” وليس تدميريًا.
4) ألم الغفلة والانشغال (ألم الفقد المؤقت للمعنى)
عند سليمان عليه السلام حين شُغل بالخيل عن ذكر ربه. طبيعته: انشغال بالقوة والمادة عن المركز الروحي. نتيجته: إدراك متأخر لقيمة التوازن.
5) ألم الفقد والبعاد (ألم الانتظار والحنين)
لا تذكره سورة ص نصًا، لكن روح القرآن تمتلئ به في قصص إبراهيم ويعقوب. إبراهيم يُترك وحيدًا يهاجر تاركًا أهله وبلده، ويبتلى بذبح أعز ما يملك. ويعقوب يفقد يوسف، فيبكي حتى ابيضّت عيناه من الحزن. هذا الألم ليس عقابًا ولا ابتلاءً عاديًا، إنه ألم الحب الغائب، ألم الانتظار الذي لا موعد فيه، ألم الاشتياق الذي يتحول إلى عبادة صامتة. في منطق سورة ص، هذا الألم أيضًا ليس شرًا يجب إزالته، بل هو تهذيب للقلب، وتنقية للمشاعر، وتعليم للصبر الذي لا يئن بل يدعو: “إنما أشكو بثي وحزني إلى الله”. إنه ألم يصنع من الفراق جسرًا إلى القرب، ومن الدمع طهارة.
ثانيًا: سبل العلاج في سورة ص
السورة لا تقدم “إزالة الألم”، بل “إعادة توجيهه”:
- التوحيد كتحرير من ألم الكبر: إلغاء مركزية النفس، وإعادة تعريف القيمة حول الله لا الذات.
- التوبة كآلية إعادة ضبط: داود وسليمان نموذجًا، فالخطأ لا يُنكر بل يُعاد توجيهه.
- الصبر كتحويل للألم إلى معنى: أيوب نموذجًا، والألم يصبح “رافعة” لا “عقوبة فقط”.
- الإخلاص كحصانة من الإغواء: “عبادك منهم المخلصين” — تقليل قابلية الاستغلال النفسي.
ثالثًا: فائدة الألم في سورة ص
في المنظور القرآني، الألم ليس نقيض اللذة فقط، بل هو:
- أداة وعي
- وسيلة تهذيب
- إعادة توزيع للقيم الداخلية
- اختبار للحرية الأخلاقية
لذلك: الألم في سورة ص “منتج معرفي وأخلاقي” وليس مجرد عبء.
رابعًا: مقارنة مع نظرية بنثام (النفعية)
عند بنثام:
الإنسان = كائن يسعى لتعظيم اللذة وتقليل الألم. الأخلاق تُقاس بالحساب الكمي (ألم/لذة). السوق والاختيار مبنيان على “المنفعة”. النتيجة: الاختيار عقلاني لكنه مادي محض، ولا قيمة للألم إلا بوصفه شرًا يجب تقليله.
في سورة ص:
الإنسان = كائن روحي أخلاقي مبتلى. الألم ليس دائمًا شرًا، بل قد يكون وسيلة للهداية. النتيجة: الألم جزء من “الهندسة الأخلاقية للإنسان”، وليس كل ألم يجب التخلص منه.
خامسًا: مقارنة مع قوانين الندرة والاختيار والعرض والطلب
في الاقتصاد التقليدي، تُعتبر الندرة هي أساس القيمة، ويُفهم الاختيار على أنه عملية تعظيم للمنفعة الشخصية، بينما يتحقق التوازن من خلال تفاعل العرض والطلب في إطار مادي بحت.
أما في سورة ص، فلا وجود لمنطق “سوقي” بالمعنى التقليدي، بل منطق “قيمي” مختلف جذريًا. ويمكن توضيح الفروق الجوهرية على النحو التالي:
- في قضية الندرة: الاقتصاد يراها المحدد الأساسي للسعر، بينما سورة ص تنتفي فيها مركزية الندرة، فلا قيمة مادية تحكم الموقف الروحي.
- في قضية الاختيار: الاقتصاد ينظر إليه كمنفعة شخصية قصوى، أما في سورة ص فهو اختبار أخلاقي لحرية الإرادة والإخلاص.
- في قضية القيمة: الاقتصاد يقيم الأشياء بمادياتها، بينما سورة ص تقدس القيمة الروحية والأخلاقية فوق كل اعتبار.
- في قضية الألم: الاقتصاد النفعي يعتبره تكلفة يجب تقليلها أو إزالتها، أما في سورة ص فهو أداة إصلاح وتهذيب وإعادة بناء للذات.
الخلاصة
سورة ص تقدم نموذجًا مختلفًا جذريًا عن بنثام: بنثام يبني نظرية “إدارة الرغبات”، بينما سورة ص تبني نظرية “تهذيب الذات”. بنثام يعتبر الألم مشكلة يجب تقليلها، وسورة ص ترى أن الألم أحيانًا رسالة يجب فهمها.
إذا كانت الاقتصاديات التقليدية تدير الإنسان كمستهلك للمنفعة، فإن سورة ص تعيد تعريفه كـ: كائن معنوي يُعاد تشكيله عبر الألم والمعنى، لا عبر اللذة فقط.
خاتمة
السؤال الحقيقي ليس: كيف نتخلص من الألم؟ بل: أي إنسان نريد أن نكون؟ إنسانًا خاليًا من الألم لكنه فارغ من المعنى؟ أم إنسانًا يحتمل الألم ليكبر وتكبر روحه؟ سورة ص تدعونا إلى الخيار الثاني. إنها ليست ضد الفرح، لكنها ضد الفهم السطحي للحياة الذي لا مكان فيه للألم البنّاء. وفي عالم يخاف من الألم، قد يكون هذا الدرس هو أكثر ما نحتاج إليه اليوم.




