من غوانغدونغ إلى باريس: كيف أعادت موجات الحر رسم خريطة الجيوسياسة الأوروبية؟
بقلم/ د. عدنان البدر
باحث ومستشار استراتيجي في سياسة الموارد البشرية وبيئة العمل ورئيس ومؤسس الجمعية الكندية الكويتية للصداقة والأعمال
ckbafa@gmail.com
-
قفزة 43% في الصادرات.. والعلامات الصينية تستحوذ على 41% من سوق أوروبا
-
الحر يضرب المحطات النووية …. وسعر الكهرباء يقفز 468% في بريطانيا.
-
سعر جهاز التكييف في المتاجر الفرنسية 1,200 يورو، وسعر نموذج ليدل 179 يوراً فقط.
-
نسبة امتلاك أجهزة التكييف في فرنسا وشمال أوروبا لا تتجاوز 5%.
-
الصين هي التي تجني الأرباح وأوروبا هي التي تسدّد الثمن باليورو، وبالكيلوواط/ساعة، وبالعرق.
-
أزمة أجهزة التكييف تُظهر عمق التبعية لسلاسل توريد صينية يصعب فكّها في الأمد القريب.
-
سيقفز مخزون أجهزة التكييف في الاتحاد الأوروبي من نحو 110 ملايين وحدة عام 2019 إلى 275 مليون وحدة بحلول 2050.
-
بلغت صادرات أجهزة التكييف إلى الاتحاد الأوروبي 3.76 مليار دولار خلال النصف الأول من عام 2026.
-
أزمة الطاقة الأوروبية تعود إلى الارتفاع الحاد في الطلب على التكييف، أكثر من قيود الإمداد.
-
كل وحدة تكييف تُباع في باريس أو برلين تترجم فوراً إلى عبء إضافي على شبكات كهرباء أوروبية هشة أصلاً.
-
أوروبا تعتمد على بكين في شبكات الصيانة والتركيب وقطع الغيار.
-
الصين تُصنّع نحو 70% من إجمالي أجهزة التكييف المنزلية في العالم
سلسلة التبريد الصينية
التجارة والطاقة والجيوسياسة — 2026
كيف حوّلت موجات الحر الأوروبية جهاز التكييف إلى سلعة استراتيجية بين بكين وبروكسل
بينما اصطف الأوروبيون أمام متاجرهم تحت درجات حرارة قياسية، كانت خطوط الإنتاج في مقاطعة غوانغدونغ (Guangdong) ومدينة تشوهاي (Zhuhai) تعمل على مدار الساعة. أرقام تجارية متفجرة، وشبكات كهرباء هشة، وبروكسل (Brussels) في مواجهة التبعية ذاتها التي تسعى إلى تجاوزها. عندما اصطف موسى تراوري مع نحو مئتي شخص آخرين أمام أحد فروع سلسلة ليدل في ضاحية باريسية (Parisian) شمالية، لم يكن يتوقع أن ينتهي الأمر بتدخل الشرطة. غير أن فرنسا كانت تسجّل في تلك اللحظة أحرّ شهر يونيو في تاريخها المناخي المسجّل، مع ارتفاع الحرارة إلى 43.8 درجة مئوية في بلدة بليو (Belleu) الغربية. لم يعد جهاز التكييف كماليةً في تلك الأيام الحارقة، بل تحوّل إلى شرط حياة أو ممات. انتظرنا أكثر من ساعة، يروي تراوري. قيل لنا إن المتجر لا يملك سوى جهازين للبيع. ثم جاءت الشرطة وأعلنت نفاد المخزون، وأنا أظن أن الضباط أنفسهم أخذوا الجهازين. الساخرون يعرفون أن الشرطة الفرنسية تعاني من الحر مثل سائر المواطنين، لكن الواقعة تكشف ما هو أعمق من نكتة صيفية: قارة بنت هويتها الصناعية على التحكم في الطقس باتت اليوم عاجزة عن مواجهة حرّها من دون خطوط الإنتاج الصينية. تكررت مشاهد مشابهة في ضواحي سيفران (Sevran) وليفري-غارغان (Livry-Gargan) وعشرات البلدات الباريسية الأخرى. متجر يُخصص جهازين للبيع، وعائلات تنتظر وتتشاجر وتعود خائبة. إنها أزمة توزيع في الظاهر، لكنها في جوهرها أزمة بنيوية متراكمة يشكّل التكييف جزءاً محدوداً من مشهدها الأوسع.
فارق السعر يشعل التدافع
الأرقام توضح حجم الفجوة التي أشعلت الفوضى. في أوج موجة الحر، بلغ سعر جهاز التكييف الأساسي في المتاجر الفرنسية العادية أكثر من 1,200 يورو، فيما طرحت سلسلة ليدل نماذجها بسعر 179 يوراً فقط — فارق يساوي ثمانية أضعاف بين العرضين. استُدعيت الشرطة إلى أكثر من متجر بعد أن حاصر الزبائن المداخل، وقالت إحدى مديرات المتاجر لجموع غاضبة: لن أفتح الأبواب ما لم تنصرفوا، فيما أقرّ أحد الموظفين لوكالة الأنباء الفرنسية بأن المتجر لم يستلم سوى جهازين اثنين فقط في شحنته الكاملة. خلف هذه المشاهد رقم بنيوي يفسّر حجم الصدمة الجماعية: نسبة امتلاك أجهزة التكييف في فرنسا وشمال أوروبا لا تتجاوز 5%، نتيجة تاريخ طويل من الصيف المعتدل الذي لم يفرض التكييف حاجةً ضرورية. أما المناخ، فقد تغيّر بشكل جذري، لكن البنية التحتية للمساكن والشبكة الكهربائية لم تواكب هذا التحول بعد، تاركةً الأوروبيين في مواجهة واقع جديد بأدوات الأمس.
من غوانغدونغ (Guangdong) إلى موانئ رتردام (Rotterdam)
بينما كانت المتاجر الفرنسية تشهد الفوضى، كانت خطوط الإنتاج في مقاطعة غوانغدونغ (Guangdong) ومدينة تشوهاي (Zhuhai) تعمل بأقصى طاقتها. الصين التي تُصنّع نحو 70% من إجمالي أجهزة التكييف المنزلية في العالم، ضخّت شحنات متتالية نحو الموانئ الأوروبية طوال الصيف، مستغلةً نقطة ضعف أوروبية هيكلية تراكمت عقوداً. رقم لافت: بلغت قيمة واردات قطع الغيار الصينية 1.04 مليار دولار، متجاوزةً قيمة الوحدات الجاهزة للمرة الأولى. تبعية أعمق وأصعب فكّاً. تُظهر بيانات الجمارك الصينية أن صادرات أجهزة التكييف إلى الاتحاد الأوروبي بلغت 3.76 مليار دولار خلال النصف الأول من عام 2026، بزيادة سنوية تبلغ 43.2%. لكن الأرقام الإجمالية لا تروي القصة كاملة؛ ففي الأسواق التي ضربتها الموجات الحارة بعنف، كانت وتيرة النمو أكثر حدة بكثير. نمو واردات أجهزة التكييف الصينية — H1 2026، بريطانيا 73.9%، فرنسا 63.4%، البرتغال 62.7%، هولندا (مركز التوزيع) 42.6%، إسبانيا 28.9%، إجمالي الاتحاد الأوروبي 43.2%. المفارقة اللافتة تكمن في تركيبة هذه الواردات لا حجمها فحسب. فبينما تراجعت واردات الوحدات الجاهزة (البند الجمركي 841510) بنسبة 10.5%، قفزت واردات قطع الغيار والمكوّنات (البند 841590) بنسبة 11.4% لتبلغ 1.04 مليار دولار، متجاوزةً قيمة الوحدات الجاهزة ذاتها. بعبارة أخرى: أوروبا لم تعد تشتري الصناديق الصينية فقط، بل باتت تعتمد على بكين (Beijing) في شبكات الصيانة والتركيب وقطع الغيار، وهي تبعية أعمق بكثير، وأصعب فكّاً على المدى القريب.
ثلاثة عمالقة يقتسمون الغنيمة
ثلاث علامات تجارية صينية تصدّرت المشهد في الأسواق الأوروبية خلال موجة الحر، موسّعةً حضورها بصورة لافتة تتجاوز أرقام الربح إلى إعادة رسم خريطة المنافسة. هاير حلّت في المرتبة الثانية بحصة سوقية 9% في غرب أوروبا، واحتلت الصدارة في شرق القارة بحصة 34%، مع نمو مبيعات إجمالي في أوروبا بلغ 30% خلال العام. أما ميديا فقد ابتكرت حلاً هندسياً لمعضلة النوافذ الأوروبية القديمة والواجهات المحمية تراثياً، عبر جهاز بورتا سبليت المحمول المصمم خصيصاً لهذه القيود المعمارية الخاصة، وباعت أكثر من 200,000 وحدة منه خلال 2026. وتصدّرت جري قائمة الانتظار في فرنسا بعد ارتفاع مبيعاتها 50%، لدرجة أن جداول تركيب الوحدات المعلّقة تأجلت حتى نهاية أغسطس. إلى جانب هذا الثلاثي، سجّلت هيسنس نمواً تجاوز 100% في السوق الفرنسية، وهو رقم يوصف عادةً بالخرافي في أسواق ناضجة، فيما حققت تي سي إل نمواً يفوق 27% في غرب أوروبا. والمحصلة: قفزت الحصة السوقية الإجمالية للعلامات الصينية في سوق التكييف الأوروبي من 27% عام 2023 إلى 41% عام 2025، بارتفاع يساوي 14 نقطة مئوية خلال سنتين فقط.
الفاتورة الخفية: شبكة كهرباء لم تُصمَّم لهذا
كل وحدة تكييف تُباع في باريس (Paris) أو برلين (Berlin) تترجم فوراً إلى عبء إضافي على شبكات كهرباء أوروبية هشة أصلاً. وفق مشغّل الشبكة الفرنسي (RTE)، ترفع كل درجة مئوية إضافية استهلاك الطاقة بمقدار يتراوح بين 0.7 و1 غيغاواط، بحسب توقيت اليوم. وتعكس الأرقام اليومية حدة الضغط: قفز الطلب في فرنسا من 1,048 غيغاواط/ساعة في الحادي عشر من يونيو إلى 1,255 غيغاواط/ساعة في الخامس والعشرين منه، زيادة بنحو 20% خلال أسبوعين فقط. ارتفاع سعر الكهرباء لحظياً في بريطانيا: 468% (من 75 جنيهاً إلى 426 جنيهاً/MWh في يوم واحد) وذروة الطلب البريطانية: 34.8GW (الأعلى في صيف 2026) وارتفاع أعطال محطات الغاز في ألمانيا بسبب الحر: 40%. سُجّلت قفزات مماثلة في ألمانيا (من 1,267 إلى 1,396 غيغاواط/ساعة)، وكذلك في إيطاليا وإسبانيا. وانعكس هذا الضغط مباشرةً على أسواق الجملة: تجاوزت أسعار الكهرباء 200 يورو للميغاواط/ساعة في ألمانيا، واقتربت من 160 يوراً في فرنسا، وتخطّت 110 يوراً في إسبانيا. أما بريطانيا، التي سجّلت ذروة طلب بلغت 34.8 غيغاواط، فقد شهدت أسعاراً لحظية بلغت 426 جنيهاً إسترلينياً للميغاواط/ساعة، مقارنة بـ75 جنيهاً فقط في مطلع اليوم نفسه. والأخطر هنا أن الحرارة لم تكتفِ برفع الطلب، بل قلّصت العرض في الوقت ذاته. في فرنسا، اضطرت شركة الكهرباء الحكومية EDF لخفض إنتاج محطاتها النووية بسبب ارتفاع حرارة مياه الأنهار المستخدَمة في التبريد، ما أدى إلى إيقاف محطة غولفيتش 2 بالكامل، وخفض طاقة محطتَي نوجنت 2 وبوجيه 3. في سويسرا، خُفّض إنتاج محطة بيزنو النووية للسبب ذاته. وفي ألمانيا، ارتفعت نسبة الأعطال غير المخطط لها في محطات الغاز بنسبة 40% بفعل الحر. يلخّص محللو إنرجي أسبكتس الوضع بحيادية: الشح في أسواق الطاقة الأوروبية خلال هذه الموجة يعود بشكل أساسي إلى الارتفاع الحاد في الطلب على التكييف، أكثر من كونه ناتجاً عن قيود في الإمداد.
تحول هيكلي طويل الأمد
البيانات تشير إلى أن ما يجري ليس ذروة استثنائية، بل تحوّل هيكلي بطيء الخطى لكن عميق الجذور. فقد تضاعف استهلاك الأسر الأوروبية من الطاقة المخصصة للتبريد منذ عام 2015، مع أقوى معدلات النمو في فرنسا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا. ووفق الوكالة الدولية للطاقة، لا يتجاوز معدل امتلاك أجهزة التكييف في الأسر الأوروبية حالياً 20%، لكن هذه النسبة ارتفعت بنحو 50% خلال العقد الأخير. وباتت المبيعات السنوية أعلى بنحو 30% مما كانت عليه قبل خمس سنوات فقط. وتتوقع الوكالة أن يقفز مخزون أجهزة التكييف في الاتحاد الأوروبي من نحو 110 ملايين وحدة عام 2019 إلى 275 مليون وحدة بحلول 2050، ما يعني الحاجة إلى تركيب أكثر من 150 مليون وحدة جديدة خلال العقود المقبلة. هذا الطلب المتراكم هو النقطة التي تراهن عليها بكين (Beijing) في علاقتها الاقتصادية مع أوروبا.
حرب باردة وتكييف ساخن
تقع هذه القصة في صميم التوتر الجيوسياسي بين بروكسل (Brussels) وبكين (Beijing). ففي الوقت الذي تتفاوض فيه المفوضية الأوروبية مع الصين لإعادة توازن العلاقة التجارية ومعالجة ما يُعرف بالصدمة الصينية الثانية، تجد أوروبا نفسها مضطرة لشراء حلول التبريد من المصدر ذاته الذي تسعى علناً إلى تقليل اعتمادها عليه. التناقض صارخ ومؤلم في آن. استغلّت وسائل الإعلام الرسمية الصينية هذا التناقض بذكاء دعائي واضح، معتبرةً الإقبال المتصاعد على أجهزة التكييف الصينية دليلاً ملموساً على طبيعة العلاقة الاقتصادية الرابح-رابح بين الجانبين. في المقابل، اتخذ الردّ الأوروبي مساراً تنظيمياً لا احتوائياً: بدأت الصناعة الأوروبية مناقشة إعادة تصنيف أجهزة التكييف المحمولة المعلّقة على النوافذ (من طراز بورتا سبليت) ضمن فئة أجهزة التكييف الثابتة، ما يستوجب متطلبات تركيب وتراخيص أكثر صرامة، ويرفع كلفتها إلى الضعف تقريباً. وتزامن ذلك مع اجتماعات مغلقة عقدها المفوض الأوروبي للتجارة في ذروة موجة الحر الفرنسية لمناقشة الملف الصيني.
الخلاصة: أوروبا على مفترق طرق
تختصر أزمة أجهزة التكييف ثلاث أزمات أوروبية متشابكة: أزمة مناخية دفعت مواطنين اعتادوا اعتبار التبريد رفاهية إلى خوض معارك داخل المتاجر؛ وأزمة طاقة تكشف هشاشة شبكات لم تُبنَ أصلاً لهذا المستوى من الطلب؛ وأزمة صناعية تُظهر عمق التبعية لسلاسل توريد صينية يصعب فكّها في الأمد القريب. السؤال الذي يواجه أوروبا اليوم لم يعد هل هي بحاجة إلى التكييف؟ فالمناخ حسم هذا السؤال بالفعل، بل: من سيصنّع هذه الأجهزة؟ ومن سيتحكم في قطع غيارها؟ ومن سيتحمل فاتورة الطاقة المتصاعدة؟ وبينما تتدفق مليارات اليوروهات عبر المحيطات نحو مصانع تشوهاي (Zhuhai)، يبدو الجواب، على الأقل في المدى المنظور، واضحاً بما فيه الكفاية: الصين هي التي تجني الأرباح. وأوروبا هي التي تسدّد الثمن باليورو، وبالكيلوواط/ساعة، وبالعرق.




