فنزويلا: بين ضخامة الثروة النفطية وتحديات الإدارة والسياسة
بقلم/ د. محمد جميل الشبشيري
Elshebshiry@outlook.com
تتربع فنزويلا على عرش أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في العالم، بثروة تقدر بنحو 303 مليارات برميل. هذا الرقم الهائل يمنحها نظريًا القدرة على أن تكون لاعبًا محوريًا في أسواق الطاقة العالمية، لكن الواقع يروي قصة مختلفة تمامًا؛ قصة عملاق اقتصادي مكبل بالأزمات السياسية والاقتصادية والعقوبات الدولية، مما يجعله مثالاً صارخاً على الفجوة بين امتلاك الثروة والقدرة على استغلالها.
الاقتصاد الفنزويلي: من الثراء إلى الانهيار
يعتمد الاقتصاد الفنزويلي بشكل شبه كامل على النفط، الذي شكّل تاريخيًا مصدر الدخل الرئيسي للبلاد وأساس نموذجها الاقتصادي الريعي. إلى جانب النفط، تمتلك فنزويلا ثروات طبيعية أخرى هائلة، تشمل احتياطيات ضخمة من الغاز الطبيعي، والذهب، والألماس، والبوكسيت، والحديد. لكن عقودًا من سوء الإدارة الاقتصادية، والفساد، والسياسات التي أدت إلى تأميم الصناعات الرئيسية وتثبيط الاستثمار الخاص، قادت البلاد إلى انهيار اقتصادي حاد.
شهدت فنزويلا واحدة من أسوأ نوبات التضخم المفرط في التاريخ الحديث، مما أدى إلى تآكل قيمة العملة بشكل شبه كامل، وانهيار القوة الشرائية، وتفاقم الفقر، وهجرة ملايين المواطنين بحثًا عن حياة أفضل. لقد تحول الاقتصاد من كونه أحد أقوى اقتصادات أمريكا اللاتينية إلى اقتصاد يعاني من نقص حاد في الغذاء والدواء والخدمات الأساسية.
خصائص النفط الفنزويلي: ثروة معقدة
يختلف النفط الفنزويلي بشكل كبير عن الخامات القياسية. معظم احتياطياته هي من النفط الثقيل جداً وفائق الثقل. والذي يتميز بالآتي:
طبيعة معقدة: يتميز بكثافته العالية ولزوجته الشديدة، مما يجعل استخراجه ونقله صعبًا ومكلفًا.
* محتوى كبريتي عال: يوصف بأنه “حامضي” (Sour)، مما يتطلب عمليات تكرير متخصصة ومكلفة لإزالة الشوائب.
* اعتماد على مصافٍ متخصصة:- تاريخيًا، كانت المصافي المعقدة على ساحل الخليج الأمريكي أكبر مستهلك للنفط الفنزويلي، حيث تم تصميمها خصيصًا لمعالجة هذا النوع من الخام. بعد العقوبات، تحولت التدفقات بشكل أساسي نحو أسواق آسيا، خاصة الصين ، هذه الخصائص تجعل تكلفة إنتاج البرميل الفنزويلي مرتفعة مقارنة بالنفط الخفيف الذي تنتجه دول أخرى.
وقد شهد قطاع النفط العالمي خلال العقد الماضي (2014-2023) تقلبات حادة، حيث ارتفع الإنتاج العالمي من 73.4 مليون برميل يومياً في 2014 ليصل إلى ذروته عند 75.8 مليون برميل يومياً في 2018، قبل أن يهبط بشكل حاد في 2020 بسبب جائحة كوفيد-19، ليعاود التعافي التدريجي وصولاً إلى 73.2 مليون برميل يومياً في 2023.
وفي قلب هذا المشهد، عانت فنزويلا من تدهور دراماتيكي؛ حيث انخفض إنتاجها بنسبة تجاوزت 70%، متراجعاً من 2.68 مليون برميل يومياً في 2014 إلى حوالي 783 ألف برميل يومياً في 2023، مما أدى لتقلص حصتها من الإنتاج العالمي من 3.65% إلى 1.07%. كما شهدت خارطة صادراتها تحولاً جذرياً من الأسواق التقليدية في أمريكا الشمالية نحو الأسواق الآسيوية (خاصة الصين والهند) نتيجة العقوبات الاقتصادية، مع تسجيل عودة جزئية للسوق الأمريكي في عام 2023 عقب تخفيف مؤقت للقيود الجيوسياسية.
تأثير التوترات الجيوسياسية على الأسواق العالمية
في خطوة تثير جدلاً واسعًا في السياسة الإقليمية أعلن ترامب أن الولايات المتحدة شنت عملية ليلية في فنزويلا واعتقلت الرئيس مادورو وزوجته، مؤكدًا أن واشنطن ستدير البلاد مؤقتًا لضمان انتقال آمن وسليم للحكم، مع استعداد لنشر قوات برية إذا لزم الأمر. نائبة الرئيس رودريغيز رفضت العملية ووصفتها بـ ”الاختطاف”، وطالبت بالإفراج عن مادورو.
تذكر هذه الخطوة بمبدأ مونرو الذي وضعه الرئيس جيمس مونرو عام 1823، والذي منح الولايات المتحدة حق قيادة الشؤون في المنطقة، وكذلك بـ ”دبلوماسية السفن الحربية” التي شهدتها فترة الرئيس ثيودور روزفلت في أوائل القرن العشرين. أشار ترامب إلى هذه المقارنات خلال مؤتمره الصحفي، مقترحًا أن النسخة المحدثة يمكن أن تُسمى “مبدأ دون-رو”
ترامب قال إن الاحتلال لن يكلف الولايات المتحدة شيئًا، معتمداً على عوائد النفط الفنزويلي، ولم يوضح تفاصيل كيفية الإدارة أو التعاون مع المعارضة، بينما يبدو أن حكومة مادورو لا تزال متمسكة بالسلطة. ويعد هذا التدخل الأمريكي أوسع تدخل مباشر لواشنطن في أمريكا اللاتينية منذ الغزو الأمريكي لبنما قبل 37 عامًا لإزالة القائد العسكري مانويل نورييغا بسبب اتهامات بقيادته عملية تهريب مخدرات. وقد وجهت الولايات المتحدة اتهامات مشابهة لمادورو، متهمة إياه بإدارة “دولة مخدرات” والتلاعب في انتخابات 2024.
وأشار تقرير لرويترز إلى أن فكرة تمويل الاحتلال عبر النفط تذكر بالغزو الأمريكي للعراق عام 2003، حيث كان المسؤولون الأمريكيون قد صرحوا بأن تكاليف الغزو ستغطيها أصول العراق بما فيها النفط، رغم أن التدخل استمر لسنوات بكلفة تجاوزت 2 تريليون دولار، ما يوضح أن الاعتماد على الموارد المحلية قد لا يغطي كامل التكاليف الفعلية
إن أي حدث سياسي كبير في فنزويلا، مثل الإجراءات الأمريكية ضد مسؤوليها، يثير تساؤلات حول مستقبل إمدادات النفط. ومع ذلك، فإن التأثير الفوري على أسعار النفط العالمية يظل محدودًا، وذلك لأن إنتاج فنزويلا الحالي ضئيل جدًا لدرجة أن انقطاعه بالكامل لن يسبب صدمة كبيرة في المعروض العالمي الذي يعاني أصلاً من مخاوف وجود فائض.
التأثير الحقيقي يكمن في المدى الطويل. فحدوث تغيير سياسي جذري في فنزويلا قد يفتح الباب أمام عودة الشركات الدولية واستثمارات بمليارات الدولارات لإعادة بناء قطاعها النفطي.
هذه العملية ستستغرق سنوات، لكنها قد تعيد ملايين البراميل إلى السوق في المستقبل، مما قد يساهم في خفض الأسعار على المدى البعيد ويغير توازنات الطاقة العالمية.
مقارنة مع عمالقة الشرق الأوسط: فجوة بين الإمكانات والأداء
عند مقارنة فنزويلا بالدول النفطية الكبرى في الشرق الأوسط، تتضح الفجوة الهائلة بين امتلاك الموارد وإدارتها بفعالية. فبينما تمتلك فنزويلا أكبر احتياطي نفطي في العالم، متجاوزة بذلك المملكة العربية السعودية التي تحتل المرتبة الثانية (267 مليار برميل) والإمارات العربية المتحدة التي تأتي في المرتبة السابعة (113 مليار برميل)، فإن هذا التفوق الكمي لا يُترجم إلى قوة إنتاجية.
فإنتاج فنزويلا الحالي منخفض جداً، حيث يبلغ حوالي 800 ألف برميل يومياً، وهو رقم ضئيل مقارنة بإنتاج السعودية الذي يصل إلى حوالي 9 ملايين برميل يومياً، وإنتاج الإمارات الذي يبلغ حوالي 3.3 مليون برميل يومياً. يعود هذا التباين إلى عدة عوامل، أبرزها أن النفط الفنزويلي ثقيل جداً وحامضي، مما يجعل استخراجه ومعالجته مكلفاً، على عكس النفط السعودي والإماراتي الذي يغلب عليه الطابع الخفيف (منخفض الكبريت)، مما يجعله أسهل في التكرير وأكثر طلباً في الأسواق.
علاوة على ذلك، تعاني البنية التحتية في فنزويلا من تهالك شديد نتيجة سنوات من الإهمال ونقص الاستثمار، في حين تتمتع كل من السعودية والإمارات ببنية تحتية متطورة وحديثة- تخضع لصيانة واستثمارات مستمرة. والأهم من ذلك، أن فنزويلا تعاني من -عدم استقرار سياسي وأزمات اقتصادية وعقوبات دولية، مما أدى إلى بيئة طاردة للاستثمار الأجنبي. في المقابل، تتمتع دول الخليج بالاستقرار السياسي والإداري، مع رؤى اقتصادية طويلة الأمد وبيئة جاذبة بقوة للاستثمارات العالمية.
خاتمة: بين لعنة الموارد والإدارة الحكيمة
تمثل فنزويلا مفارقة صارخة ومثالاً حياً على “لعنة الموارد”، حيث أدت الثروة الهائلة، في ظل غياب الاستقرار والإدارة الرشيدة، إلى انهيار شامل. في المقابل، تبرز دول الشرق الأوسط كنموذج للقدرة على تحويل الثروة إلى قوة اقتصادية وتنموية. إن قوة أي دولة نفطية لا تكمن فقط في حجم احتياطياتها، بل في قدرتها على إدارتها واستثمارها بكفاءة واستقرار، وهو الدرس الأهم الذي تقدمه قصة فنزويلا.



