“عقود الخيارات الوهمية”: حين يتحول التحوّط المالي إلى مقامرة خاسرة في سوق المشتقات
بقلم: المحامي/ هشام الفهد
في غرف التداول الزجاجية، بعيداً عن ضجيج الأسواق التقليدية، تدور لعبة مالية أكثر تعقيداً وخطورة. إنها ساحة “المشتقات المالية، عالم من “الخيارات” و”العقود المستقبلية و”المبادلات” أدوات ابتُكرت في الأصل لغرض نبيل: التحوّط ضد تقلبات الأسعار وحماية الشركات من مخاطر لا يمكن السيطرة عليها. لكن في كثير من الأحيان، تحت ضغط أهداف المبيعات وطمع الأرباح السريعة، تتحول هذه الأدوات في أيدي البعض من درع واقٍ إلى سيف قاتل، ومن أداة تحوّط إلى طاولة قمار.
الكثير من رجال الأعمال والمدراء الماليين في الشركات الكبرى يدخلون هذا العالم دون فهم حقيقي لآلياته، معتمدين بشكل كلي على “نصائح” مدير العلاقات في البنك، الذي قد يرسم لهم صورة وردية عن أرباح خيالية، بينما يخفي ببراعة حجم المخاطر الهائلة المخبأة بين سطور العقود المطبوعة بخط دقيق.
واقعة حقيقية: قضية “مصنع البلاستيك“
دعوني أروِ لكم قصة واقعية، وهي تمثل صرخة تحذير لكل شركة تتعامل مع هذه الأدوات. شركة صناعية كويتية رائدة في صناعة البلاستيك، تعتمد بشكل أساسي على استيراد مادة “البولي إيثلين” التي يتقلب سعرها عالمياً. عرض عليها أحد البنوك الدخول في “عقود خيارات” للتحوط ضد ارتفاع أسعار هذه المادة. الفكرة بدت براقة: تدفع الشركة “علاوة” بسيطة للبنك، وفي المقابل يضمن لها البنك شراء المادة بسعر محدد وثابت لمدة عام، مهما ارتفع السعر العالمي.
وقّع المدير المالي للشركة على حزمة ضخمة من العقود المعقدة، معتقداً أنه قد أمّن مستقبل شركته. لكن ما حدث كان العكس. انخفض سعر المادة عالمياً بشكل حاد، وهو ما يفترض أن يكون خبراً جيداً للشركة. إلا أنها وجدت نفسها مُلزمة، بموجب تلك العقود، بدفع فروقات أسعار هائلة للبنك، لأن هيكل العقد لم يكن مجرد “خيار شراء” بسيط، بل كان مركباً ومعقداً يتضمن التزامات ضمنية لم تكن واضحة للمدير المالي. تحولت أداة التحوط إلى مصدر نزيف مالي كاد أن يؤدي بالشركة إلى الإفلاس.
المواجهة القانونية: من “عقد إذعان” إلى “واجب النصح“
عندما لجأت إلينا الشركة، كانت المعركة القانونية شرسة. دفع البنك بأن “العقد شريعة المتعاقدين”، وأن الشركة كيان محترف يفترض فيه العلم والدراية، وقد وقّعت على كافة الشروط والأحكام. كانت حجتهم قوية من منظور القانون المدني التقليدي.
لكن استراتيجيتنا لم ترتكز على بطلان العقد، بل على مبدأ قانوني أعمق وأكثر حداثة استقر عليه الفقه وبدأت تتبناه المحاكم العليا في النظم القانونية المتقدمة، وهو “واجب البنك في النصح والإرشاد” دفعنا بالآتي:
– عقد إذعان: أثبتنا أن هذه العقود هي “عقود إذعان” نمطية، لا تملك الشركة القدرة على التفاوض على شروطها الجوهرية، مما يوجب على القاضي تفسير أي غموض فيها لصالح الطرف المذعن (الشركة).
– اختلال التوازن المعرفي: أوضحنا للمحكمة الفجوة المعرفية الهائلة بين خبرة البنك المتخصص في المشتقات، والمعرفة المحدودة لدى المدير المالي للشركة، الذي تم إغراؤه بوعود الأرباح دون تحذيره بشكل كافٍ وصريح من المخاطر الكامنة.
– الإخلال بواجب النصح: وهو جوهر دفاعنا. أثبتنا أن البنك لم يقم بواجبه في شرح طبيعة المنتج المالي المعقد، ولم يتأكد من أن هذا المنتج يتناسب فعلاً مع حاجة العميل (وهي التحوط) وليس المضاربة، وبالتالي يكون مسؤولاً عن الأضرار الناتجة عن نصيحته المضللة.
بعد مداولات طويلة، استجابت المحكمة للدفاع، واعتبرت في حيثيات حكمها أن البنك قد أخلّ بواجب الشفافية والنصح، وألزمته بتعويض الشركة عن جزء كبير من خسائرها. لم يكن الحكم مجرد إنصاف لشركة، بل كان إرساءً لمبدأ قضائي مهم: العلاقة بين البنك والعميل في المنتجات المعقدة ليست مجرد علاقة بائع ومشترٍ، بل هي علاقة ثقة تستلزم أقصى درجات الشفافية.
عبر ودروس لا تقدر بثمن:
هذه القضية وغيرها تقدم لنا دروساً يجب أن تُكتب بحبر لا يُمحى في دليل حوكمة كل شركة:
– لا توقّع على ما لا تفهمه تماماً: مهما كانت العلاقة مع البنك قوية، ومهما كانت الوعود براقة، إذا لم تفهم آلية عمل المنتج المالي بنسبة 100%، فلا توقّع.
– استعن بخبير مستقل: قبل الدخول في أي عقود مشتقات، من الضروري استشارة خبير مالي مستقل (ليس من البنك نفسه) ومحامٍ متخصص لمراجعة العقود وتوضيح المخاطر الخفية.
– التحوط ليس مضاربة: يجب التمييز بوضوح بين استخدام المشتقات كأداة لحماية أصول الشركة، واستخدامها للمضاربة وتحقيق أرباح سريعة. الخلط بينهما هو بداية الكارثة.
– وثّق كل شيء: احتفظ بجميع المراسلات والعروض التقديمية التي قدمها لك البنك. هذه المستندات قد تكون سلاحك الوحيد لإثبات الإخلال بواجب النصح في حال نشوب نزاع.
في النهاية، عالم المال الحديث مليء بالفرص، ولكنه أيضاً حقل ألغام. والعبور الآمن في هذا الحقل لا يتطلب الجرأة فحسب، بل يتطلب قبل كل شيء الحذر، والمعرفة، والمشورة القانونية الصائبة. فالثقة وحدها، كما رأينا، قد تكون تذكرة ذهاب بلا عودة إلى عالم الخسارة.




