الكويت والقائمة الرمادية ” التحدي اليوم والخروج غداً “
بين التصنيف والالتزام… كيف نفهم المشهد وما المطلوب للخروج؟
في الأيام الأخيرة تصدر خبر إدراج دولة الكويت على “القائمة الرمادية” لمجموعة العمل المالي (FATF) عناوين الأخبار وأثار موجة من القلق والتساؤلات بين الأفراد والشركات على حد سواء.
هل هذا التصنيف عقوبة؟
هل يعني وجود خلل خطير في النظام المالي؟
وهل سيتأثر المواطن أو المستثمر بشكل مباشر؟
لفهم الصورة كاملة من الضروري تبسيط المفاهيم وشرح ما الذي حدث، ولماذا، وماذا يعني ذلك فعلياً للاقتصاد، والأهم: كيف يمكن الخروج من هذا الوضع.
ما هي مجموعة العمل المالي FATF؟
مجموعة العمل المالي هي جهة دولية تضع المعايير العالمية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وانتشار التسلح، وتقوم بتقييم الدول بشكل دوري للتأكد من أن أنظمتها لا تُساء استخدامها في تمرير أموال غير مشروعة أو تمويل أنشطة تهدد الاستقرار المالي والأمني.
ولا يقتصر التقييم على وجود القوانين، بل يمتد إلى مدى فاعلية التطبيق:
هل تُبلغ المؤسسات عن العمليات المشبوهة.
هل يتم التحقيق فعليا في الجرائم المالية؟
هل توجد ملاحقات قضائية وعقوبات رادعة؟
هل معلومات الملاك الحقيقيين للشركات دقيقة ومحدثة؟
بعبارة أخرى، الاختبار ليس على الورق، بل في الممارسة.
ماذا تعني القوائم؟
تصدر FATF قوائم تعكس مستوى التزام الدول:
القائمة السوداء: دول تعاني من قصور استراتيجي خطير، وتمثل مخاطر عالية للنظام المالي العالمي.
القائمة الرمادية: دول لديها أوجه قصور في التطبيق العملي، لكنها التزمت بخطة عمل زمنية لمعالجة هذه الثغرات تحت إشراف FATF.
إدراج دولة على القائمة الرمادية لا يعني الفشل، بل يعني أن هناك نقاطا محددة تتطلب تعزيز التطبيق، مع التزام رسمي بالإصلاح ضمن جدول زمني.
لماذا دخلت الكويت القائمة الرمادية؟
بحسب القرار ستعمل الكويت مع FATF على تنفيذ خطة عمل تشمل، تعزيز التوعية لدى وكلاء العقارات وتجار المعادن والأحجار الكريمة بشأن الإبلاغ عن العمليات المشبوهة، عبر مؤشرات قطاعية توضح مخاطر غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
ضمان دقة معلومات المستفيد الفعلي في السجل، وتطبيق عقوبات فعالة ومتناسبة ورادعة عند وجود معلومات غير دقيقة.
زيادة التحقيقات والملاحقات القضائية في جرائم غسل الأموال المرتبطة بنقل الأموال والأدوات القابلة للتداول لحاملها عبر الحدود.
هذه النقاط تشير إلى الحاجة لتعزيز التطبيق العملي خاصة في القطاعات غير المالية، وليس إلى غياب التشريعات.
هل هذه هي المرة الأولى؟
من المهم الإشارة إلى أن إدراج الكويت على القائمة الرمادية ليس سابقة تاريخية، فقد سبق أن واجهت الدولة هذا التصنيف في عام 2011 قبل أن تتمكن من الخروج منه في عام 2015 بعد تنفيذ سلسلة من الإصلاحات التشريعية والتنظيمية.
عقب إدراج الكويت آنذاك، لم يقتصر التعامل مع التصنيف على إجراءات شكلية أو بيانات إعلامية، بل شهدت تلك الفترة تحركا مؤسسيا مكثفا لإعادة بناء المنظومة التشريعية والرقابية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب بما يتوافق مع المعايير الدولية.
فقد تبنت الحكومة، بقيادة وزارة المالية في ذلك الوقت، نهجا إصلاحيا شاملا استهدف سد الثغرات التي أشار إليها التقييم الدولي، وكان أبرز ملامح هذا التحرك إصدار قانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب رقم 106 لسنة 2013، والذي مثل نقلة نوعية في الإطار القانوني، حيث أعاد تعريف الجرائم المالية، ووسع نطاق الجهات الخاضعة للرقابة، وفرض التزامات أكثر وضوحا على المؤسسات المالية والمهن غير المالية.
كما تم العمل على تعزيز آليات الإبلاغ عن العمليات المشبوهة، وتطوير قدرات الجهات المعنية في تحليل البلاغات المالية، والتنسيق بين الجهات الرقابية والقضائية لضمان سرعة التحقيق والملاحقة، ولم يقتصر الإصلاح على الجانب القانوني، بل شمل أيضا رفع مستوى الامتثال داخل القطاع الخاص، من خلال برامج تدريب وتوعية مكثفة، استهدفت المؤسسات المالية وشركات الصرافة والقطاعات المعرضة للمخاطر.
وشهدت تلك المرحلة كذلك خطوات مهمة نحو استقلالية وحدة التحريات المالية، بما عزز قدرتها على جمع وتحليل المعلومات، وتبادلها مع نظيراتها دوليا، الأمر الذي انعكس إيجابا على جودة البلاغات وكفاءة الاستجابة للأنشطة المشبوهة.
هذه الجهود المتكاملة، التشريعية والتنفيذية، أسهمت في تحسين فعالية التطبيق على أرض الواقع وهو المعيار الأهم لدى مجموعة العمل المالي، ومهدت الطريق أمام رفع اسم الكويت من القائمة الرمادية في عام 2015، بعد أن أثبتت الدولة التزاما حقيقيا بتنفيذ الإصلاحات المطلوبة.
إن استحضار هذه التجربة يوضح أن الخروج من القائمة الرمادية ليس مستحيلا، بل يتطلب إرادة مؤسسية وتعاونا فعليا كما حدث من قبل.
ما هي الآثار المحتملة للإدراج؟
تشديد إجراءات العناية الواجبة من قبل البنوك والمؤسسات المالية الدولية.
زيادة زمن وتكلفة التحويلات والمعاملات عبر الحدود.
ارتفاع مستوى التدقيق على الاستثمارات الواردة والصادرة.
تأثير محتمل على تصورات المخاطر لدى المستثمرين وشركاء الأعمال.
هذه الآثار لا توقف النشاط الاقتصادي، لكنها قد تزيد الاحتكاك والتكلفة إلى حين معالجة أوجه القصور.
روشتة عملية للخروج
الخروج من القائمة الرمادية يتطلب تنفيذ خطة العمل بفعالية وسرعة، من خلال:
على مستوى الجهات التنظيمية:
رفع مستوى التوعية في القطاعات غير المالية مثل العقارات وتجارة المعادن والأحجار الكريمة.
تحسين جودة ودقة بيانات المستفيد الفعلي في السجلات الرسمية.
تطبيق عقوبات رادعة عند تقديم معلومات غير دقيقة.
تكثيف التحقيقات والملاحقات القضائية في قضايا غسل الأموال عبر الحدود.
على مستوى القطاع الخاص:
الالتزام الجاد بالإبلاغ عن العمليات المشبوهة.
تحديث بيانات العملاء والمستفيدين الفعليين بشكل دوري.
تعزيز برامج الامتثال والتدريب الداخلي.
التعاون مع الجهات الرقابية وتوفير المعلومات عند الطلب.
على مستوى المهن والأعمال:
وكلاء العقارات وتجار المعادن والأحجار الكريمة مطالبون بفهم مؤشرات المخاطر والإبلاغ عنها.
التأكد من مصادر الأموال في الصفقات عالية القيمة.
الاحتفاظ بسجلات دقيقة للمعاملات.
عزيزي القارئ:
مرحلة ما بعد الإدراج تتطلب وعيا جماعيا ودعما فعليا للجهات الرقابية والتنظيمية.
فالتعاون مع متطلبات الامتثال، وتقديم البيانات الدقيقة، والإبلاغ عن الأنشطة المشبوهة، ليس عبئا إداريا، بل مساهمة مباشرة في حماية الاقتصاد الوطني وتسريع الخروج من القائمة الرمادية.
“دعمك اليوم لجهود التنظيم والرقابة، هو استثمار في ثقة الغد”




