أهمية الاندماج المصرفي في مواجهة المنافسة المصرفية (2)
بقلم/ د. سالم محمد المعطش
مدير مكتب الوطني لتدقيق الحسابات
مقدمة
يعد الاندماج المصرفي أحد المعالم الرئيسية للتطورات المصرفية العالمية والتي تزايد الاهتمام بها بشكل ملحوظ خلال النصف الثاني من تسعينيات القرن الماضي، وخاصة بعد تزايد الاتجاه نحو عولمة المصارف كجزء من منظومة العولمة الاقتصادية، إذ أصبحت عمليات الاندماجات المصرفية والمالية وعمليات الاستحواذ والتملك ظاهرة واسعة الانتشار في البلدان المتقدمة والنامية على حد سواء، وارتبطت بعمليات التحرر والانفتاح الاقتصادي فضلاً عن أن العديد من المحللين ينظرون إلى عمليات الاندماج والتكامل في القطاع المصرفي باعتبارها حالة تحدٍ للوقائع المستجدة باستمرار بسبب المشاكل المالية في القطاع المصرفي، فالبعض يراها عدم قدرة على الاستمرار بشكل منفرد في السوق المالي، فيما يراها البعض اتساق فرضه الواقع الفعلي للعمل المصرفي الذي أصبح يفرض بعض الشروط اللازمة لعمليات النجاح والاستمرارية في العمل.
مبررات الاندماج المصرفي:
بالرغم من الأهمية المتناهية لعمليات الاندماج المصرفية، إلا أنها يمكن النظر إليها بأنها أداة ووسيلة لتحقيق مجموعة من المكاسب والأهداف الكبيرة، متجاوزة عن كونها مجرد خلق كيان مصرفي جديد أكبر وأقوى إلى تفعيل هذا الكيان باكتسابه قوة دفع ذاتي توفر له بالتالي المقومات اللازمة للنمو والكفاءة والتطوير، ومن هذه المبررات التي دفعت إلى وجود الاندماج المصرفي ما يأتي:-
1-التداؤب:
من أهم الأسباب لعملية الاندماج، فعند اندماج مؤسستين هما (أ، ب) مع مؤسسة (ج) مثلاً تصبح قوة (ج) أعلى من مجموع قيمة المؤسستين (أ، ب) المنفصلتين فإن تداؤبا قد حصل في عملية الاندماج، وهذا التداؤب يفيد المساهمين في المؤسستين معاً، ويقصد به جميع ما يرتبط بكلفة الإنتاج للوحدة الواحدة سواء للمنتج أو الخدمة أو ما يسمى باقتصاديات الحجم، وتنشأ في ظل عملية الاندماج هذه مزايا منها الفروقات التي تحدث في الكفاءة الإدارية وزيادة القوة التسويقية وبالتالي القدرة التنافسية في السوق المحلية والخارجية.
2-الاعتبارات الضريبية:-
من خلال تقليص حجم الضرائب، إذ أن أي مؤسسة تحقق أرباحاً عالية عند اندماجها مع مؤسسة أخرى مباشرة تنخفض الضرائب التي تفرض عليها، بالإضافة إلى أن توافر النقد قد يهيئ فرص استثمارية بدلا من دفعها على شكل مقسوم أرباح.
3-شراء موجودات بقيمة تقل كثيراً عن قيمتها الاستبدالية:
قد تكون القيمة الدفترية كموجودات المؤسسة المشتراة أقل بكثير من القيمة الاستبدالية أو السوقية، مما يشجع على شرائها من قبل الغير.
4-التنويع:
يؤدي الاندماج المصرفي إلى التنويع في عمليات المصارف، وإلى استقرار أرباحها (عوائدها) وبالتالي التقليل من مخاطرها، وقد يمارس التنويع عن طريق الاندماج دوراً كبيراً في تنويع الخدمات المصرفية المقدمة من قبل المصرف الجديد، إذ أن اندماج المصرف مع المؤسسات الأخرى مثل شركة التأمين أو مصارف الاستثمار يزيد من كم ونوع الخدمات المقدمة للمتعاملين مع المصرف الجديد.
5-السيطرة:
تهدف بعض المصارف إلى الاندماج بهدف السيطرة عليها، ولذلك تلجأ المصارف الضعيفة إلى الاندماج مع أخرى قوية فتضيع الفرصة على المصارف ذات الهدف المعادي لهذه العملية وتسمى بالاندماج الدفاعي.
مزايا الاندماج المصرفي:
يمكن تلخيص أهم المزايا التي تتمتع بها المصارف التي تحولت إلى الاندماج المصرفي بالتالي:
1-مزايا الحجم الكبير:- تصبح لديها القدرة على الاستفادة من تقديم الخدمة المصرفية بمستوى عالي بسبب زيادة قدرتها على الاستفادة من خدمات المتخصصين في الأعمال المصرفية ، فضلاً عن أن المصرف الكبير أكثر قدرة على اتباع نظم متكاملة من المراقبة والمراجعة الداخلية والقيام بحملات إعلانية واسعة النطاق بتكاليف منخفضة.
2-تستطيع المنافسة عالمياً:- ومن ثم سهولة حصولها على اعتمادات وتحويلات من الخارج ليس بإمكان المصارف الصغيرة الحصول عليها، فضلاً عن أن الاندماج يمكن أن يسهم في رفع رؤوس الأموال للمصارف بموجب اتفاقية (بازل) وذلك لتعدد المخاطر التي تواجه المصارف في الوقت الحاضر، وهي بذلك عرضة للخسارة، عندها يجب ألا تسحب المصارف من أموال المودعين وإنما يجب أن يتحملها رأس المال.
3-حماية أموال المودعين:- تدفع ظروف معينة السلطات النقدية إلى التشجيع أو التدخل في عمليات الاندماج بهدف حماية أموال المودعين، ولا يعني ذلك بالضرورة تشجيع الاحتكار وإلغاء المنافسة، وإنما تأخذ تلك السلطات من عمليات الاندماج أحد الحلول لمواجهة الزائد ومن ثم تخفيض عدد المصارف وبما يساهم في تقليص الطاقة الفائضة.
4-العلاقات الاقتصادية الدولية: تصبح أكثر تماسكاً وتشابكاً هذه العلاقات مما مضى، وهذه الحالة تجعل من السهولة انتقال الاضطرابات والأزمات المالية عبر الحدود بين الأسواق والمصارف الدولية. ويعد الاندماج المصرفي أحد أهم الأساليب التي يمكن أن تلجا إليها المصارف المتعثرة حتى لا تتعرض للتصفية وما يترتب عليها من مشكلات مالية.
5-المصارف الضخمة ثقة وأمان:- فهي توحي بالثقة والأمان للمتعاملين معها، ومن ثم تعزيز قدرات المصرف على تسويق الخدمات المصرفية الكثيرة التنوع والشمول وتقديمها بأسعار مغرية، وكذلك امتلاكها القدرة على اقتحام بعض المجالات التي كانت مختصرة على المؤسسات المالية غير المصرفية.
النظريات المفسرة للاندماج المصرفي:-
هناك العديد من النظريات التي فسرت عمليات الاندماج المصرفي وإن اختلفت في الشكل لكنها تتفق في المضمون، وهي كالتالي:
1-نظرية تعظيم القيمة: إن تعظيم قيمة المصرف هي السبب الرئيسي وراء عمليات الاندماج المصرفي الذي ينصب في النهاية إلى تعظيم القيمة لمساهمي المصرف، إذ تعطي عملية الاستحواذ فوائد عامة للمساهمين بعد عملية الاندماج وتحسين أداء المصارف بعد الاندماج، ويمكن تقسيم نظرية تعظيم القيمة إلى ما يأتي:-
أ-نظرية الكفاءة:- يتم تخطيط الاندماج بإحداث حالة من الذوبان بين المصارف المندمجة لتوليد أرباح أكبر مما لو حققه كل مصرف لوحده: وينقسم هذا الذوبان بين المصارف المندمجة الى ثلاث مستويات هي:
المستوى الأول: الذوبان المالي:- وينتج عنه مصارف ذات أحجام كبيرة،
وبالتالي تتمكن المصارف الجديدة من الحصول على رؤوس أموال جديدة وبتكلفة أقل، على أساس أن المصارف الكبيرة ذات كفاءة أكبر مما يعطي للمقرضين إشارات أمان لإقراض مثل هذه المصارف، فضلاً عن تنوع مجالات الاستثمارات فإن المخاطر الاستثمارية تنخفض نتيجة لذلك لعدم ارتباط العوائد المتحققة بمجال واحد.
المستوى الثاني: ذوبان العمليات:- يتم من خلالها إعادة هندسة العمليات وربطها مع بعضها البعض ودمج خبرات وتوحيد الجهود التي كانت لكل مصرف سابقاً بحيث تعمل باتجاه واحد لخدمة المصرف الجديد وتبادل النتائج الجديدة أو البحث والتطوير.
المستوى الثالث:- الذوبان الإداري:- ويتحقق إذا كان مديرو المصارف العارضة للاندماج يقومون بتطبيق نظم وأساليب إدارية أفضل من المصارف الأخرى المستهدفة للاندماج وتحقق تلك الأساليب والنظم الإدارية زيادة مستويات الفعالية بعد الاندماج.
ب-نظرية الاحتكار:- تنص هذه النظرية على أن الاندماج بين المصارف يقلل من عددها في السوق ومن ثم يولد سوقاً جديدة تخضع لشروط سوق احتكار القلة، وهذا يعني أن هناك أرباحاً أكبر من خلال القدرة على التحكم بالأسعار من جهة ومستوى جودة الخدمات التي تقدمها هذه المصارف من جهة أخرى، مما يزيد من حجم الإيرادات المتحصل عليها وانخفاض التكاليف، كما يسمح هذا السوق بتوزيع الفرص بين هذه المصارف.
ت-نظرية القيمة:- تبنى هذه النظرية على أساس أن المدراء الذين تراودهم فكرة اندماج مصارفهم مع مصارف أخرى لديهم معلومات أفضل عن قيمة المصارف المستهدفة للاندماج تفوق توقعات المستثمرين أو المعلومات المتاحة في سوق الأوراق المالية، وأن تلك المصارف حال اندماجها سوف تزداد قيمتها السوقية بالإضافة الى تحقيق مزايا أخرى.
2-نظرية بناء السيطرة:- تفسر هذه النظرية دافع الاندماج من أن رغبات المديرين للمصارف تنطلق من اهتماماتهم بمصالحهم الخالصة كالرغبة في تعظيم منافعهم الشخصية، ولذلك فقوتهم تنبع من حجم هذه المصارف دون الاكتراث بمصالح مساهميها.
3-نظرية الإزعاج أو القلق:- تقوم هذه النظرية على أن الاندماج يحدث عندما يوجد تباين في التقييم بين كل من البائع والمشتري في فترات الأزمات الاقتصادية، بالإضافة إلى تباين في تقدير حجم المخاطر الناتجة عن تلك التقلبات الاقتصادية.
سابعاً:- المنافسة المصرفية: هي التنافس بين البنوك والمؤسسات المالية لتقديم أفضل الخدمات والمنتجات المصرفية للعملاء، وتشمل المنافسة المصرفية عدة جوانب مثل:
1- الأسعار: تقديم أسعار فائدة تنافسية على الودائع والقروض.
2- الخدمات: تقديم مجموعة واسعة من الخدمات المصرفية مثل الحسابات الجارية والبطاقات الائتمانية والقروض الشخصية.
3- التكنولوجيا: استخدام التكنولوجيا لتحسين تجربة العميل مثل الخدمات المصرفية عبر الإنترنت والهاتف المحمول.
4- الجودة: تقديم خدمات ذات جودة عالية مثل خدمة العملاء الممتازة والسرعة في إنجاز المعاملات.
5- المنتجات: تقديم منتجات مصرفية مبتكرة ومتخصصة مثل القروض السكنية والتمويل التجاري.
نستنتج من ذلك أن المنافسة المصرفية تعود بالفائدة على العملاء إذ تتيح لهم خيارات أكثر وتنافسية وتشجع البنوك على تحسين خدماتها وزيادة كفاءتها.
ثامناً:- أهمية المنافسة المصرفية:- المنافسة المصرفية لها أهمية كبيرة في تطوير القطاع المصرفي وتحسين الخدمات المقدمة للعملاء. وتتجلى أهميتها من خلال ما يأتي:-
1- تحسين الخدمات: تشجع المنافسة المصرفية البنوك على تحسين خدماتها وتقديم خدمات أفضل للعملاء.
2- تخفيض الأسعار: تؤدي المنافسة إلى تخفيض أسعار الفائدة على القروض وزيادة أسعار الفائدة على الودائع مما يعود بالفائدة على العملاء.
3- زيادة الابتكار: تشجع المنافسة البنوك على ابتكار منتجات وخدمات جديدة تلبي احتياجات العملاء.
4- تحسين الكفاءة: تدفع المنافسة البنوك إلى تحسين كفاءتها وتقليل التكاليف مما يعود بالفائدة على العملاء.
5- زيادة الشفافية: تشجع المنافسة البنوك على زيادة الشفافية في تعاملاتها مع العملاء مما يزيد من ثقة العملاء.
6- توسيع الخدمات: تؤدي المنافسة إلى توسيع الخدمات المصرفية لتشمل شريحة أكبر من العملاء بما في ذلك العملاء الصغار والمتوسطين.
7- تحسين تجربة العميل: تشجع المنافسة البنوك على تحسين تجربة العميل مما يزيد من رضا العملاء وولائهم.
8- تعزيز الاستقرار المالي: تساهم المنافسة المصرفية في تعزيز الاستقرار المالي من خلال تشجيع البنوك على إدارة المخاطر بشكل أفضل.
تاسعاً: أنواع المنافسة المصرفية: هناك عدة أنواع من المنافسة المصرفية، تشمل:
1- المنافسة السعرية: المنافسة على الأسعار، مثل أسعار الفائدة على الودائع والقروض.
2- المنافسة الخدمية: المنافسة على جودة الخدمات المقدمة والتي تتمثل في خدمة العملاء والسرعة في إنجاز المعاملات.
3- المنافسة التكنولوجية: المنافسة على استخدام التكنولوجيا لتحسين تجربة العميل مثل الخدمات المصرفية عبر الإنترنت والهاتف المحمول.
4- المنافسة في المنتجات: المنافسة على تقديم منتجات مصرفية مبتكرة ومتخصصة، مثل القروض السكنية والتمويل التجاري.
5- المنافسة الجغرافية: المنافسة على التوسع الجغرافي مثل فتح فروع جديدة أو توسيع شبكة الصراف الآلي.
6- المنافسة التسويقية: المنافسة على التسويق والإعلان كالحملات الإعلانية والترويجية.
7- المنافسة على الموارد البشرية: المنافسة على جذب وتوظيف الموظفين المهرة والمدربين.
8- المنافسة على الابتكار: المنافسة على الابتكار والتطوير وكمثال على ذلك تطوير منتجات وخدمات جديدة.




