مقالات

دول مجلس التعاون وبديل هرمز

 

بقلم : خالد المترك

باحث في الشأن الاقتصادي

 

تمثل حركة الملاحة البحرية عاملاً مهماً في انسيابية التجارة البينية بين الدول بمختلف قطاعاتها، كما تعد عاملاً مهما في سهولة وصول المواد والبضائع لوجهتها، فقد تؤدي الاضطرابات الجيوسياسية إلي خلق تخوف من قبل المستثمرين، مما يؤدي إلى تراجع التعاملات من عقود وصفقات تجارية بين الدول.

مضيق هرمز، الممر المائي الاستراتيجي والذي يعد بمثابة شريان حيوي تتدفق من خلاله صادرات دول مجلس التعاون، حيث يمر عن طريق المضيق ما يفوق 15 مليون برميل نفط يومياً، والتي تمثل ما نسبته 70% – 80% من صادرات دول مجلس التعاون ،حسب إحصائيات ادارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA).

أما بالنسبة للصادرات غير النفطية، ونظرا لعدم وجود بيانات دقيقة تعكس الواقع وبالاستعانة بمحركات الذكاء الاصطناعي، فقد توصلنا إلى أن حجم الصادرات غير النفطية لدول مجلس التعاون بلغ 158.8 مليار دولار في عام 2023 وفق بيانات المركز الإحصائي الخليجي، وبناء على توزيع التجارة وحساب حجم ونوعية المرور البحري من خلال المضيق  وكذلك بيانات الملاحة فإن حوالي 60% – 70% منها يمر من خلال مضيق هرمز.

الأهمية الاقتصادية للمضيق:

يقع المضيق في منطقة تعد المركز الرئيسي لتداول النفط، وتمثل أوج النشاط في العمليات والعقود النفطية بجميع أنواعها، بحيث يمر من خلال المضيق ما نسبته 20% ويصل إلى 25% في بعض الفترات من الاستهلاك العالمي بحسب (visual capitalist) ، بالإضافة إلى بقية صادرات دول المجلس الغير نفطية، وتمثل نسب البضائع من مواد خام وحاويات وبتروكيماويات التالي:

يمثل النفط الخام 38%، بينما يمثل غاز البترول المسال (LPG) %29،ويمثل الغاز الطبيعي المسال (LNG) %19، وبنسبة مماثلة المنتجات النفطية المكررة، كما تشكل المواد الكيميائية 13% بما في ذلك الأسمدة، وتمثل الحاويات 3%، أما البضائع الجافة فتمثل 2% من البضائع والمواد التي تمر من خلال المضيق استنادا إلى بيانات مقدمة من شركة كلاركسونز للأبحاث  .(UNCTAD)

وتعد هذه المواد من الركائز الأساسية في عمليات البناء والتطوير والتنمية القائمة في دول العالم وعرقلة سلاسل الإمداد بطبيعة الحال سيؤدي إلى تباطئ أداء هذه القطاعات بالإضافة إلى التأثير المباشر على إمدادات الطاقة العالمية وأسواقها، والذي سيدفع حتما أسعار النفط نحو الارتفاع، ولهذا الارتداد انعكاس على المدى القصير والطويل على معظم القطاعات في دول مجلس التعاون:

* يكمن الأثر الإيجابي قصير المدى في ارتفاع الإيرادات النفطية، والذي بدوره سينعكس على الموازنة العامة للدول كونها تعتمد بشكل كبير على العائدات النفطية فيرتفع معها الإنفاق الحكومي وتدور عجلة المشاريع.

* من جانب آخر، وفي حال طال أمد الاضطرابات الجيوسياسية فسوف يكون الأثر السلبي واضحا في انخفاض حجم الصادرات التي ستؤثر بشكل مباشر في الإيرادات العامة والميزان التجاري للدول والتجارة البينية، كما يؤدي إلى ضعف سلاسل الإمداد لا النفطية فقط، بل الواردة من السلع والخدمات الأخرى الضرورية لاحتياجات الفرد والمنشأة من أغذية وأدوية ومعدات، كما قد يؤدي إلى تذبذب أداء الأسواق بصورة عامة بكافة أنشطتها، إن الاضطرابات الجيوسياسية وانعكاسها على الاقتصاد، وعدم توافر بيئة آمنة وملائمة للاستثمار قد تدفع رأس المال الأجنبي إلى الهجرة وقد يتراجع الاستثمار بشكل عام، ولعل من أهم المخاطر وأكثرها ضرراً في حال تمت عرقلة حركة التصدير في المضيق هي التضخم الناتج عن ارتفاع الأسعار بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج والتصنيع، ليس على المنطقة فحسب بل على الاقتصاد العالمي ككل.

البدائل:

قامت بعض دول مجلس التعاون بإنشاء خطوط بديلة للتصدير، حيث قامت دولة الإمارات العربية المتحدة ببناء خط حبشان، والذي ينقل النفط من أبوظبي إلى ميناء الفجيرة التي تقع على بحر العرب. كذلك قامت المملكة العربية السعودية بإنشاء خط (Petroline) والذي ينقل النفط من المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، كما يتواجد ميناء الدقم في سلطنة عمان والذي يطل على بحر العرب والمحيط الهندي وهو خارج مضيق هرمز، ويعد مركز لوجستي وصناعي مهم، ويعد النقل عبر خطوط الأنابيب أقل كلفة من النقل البحري في الأزمات، كونه لا يتأثر بأسعار الشحن والتأمين مثل استخدام الناقلات، ولكن من جهة أخرى الكميات المنقولة عبر الأنابيب أقل بكثير من حجم الكميات المنقولة بحرا.

بالنظر للغاز الطبيعي فهو يعتمد بشكل رئيسي على المضيق في عمليات التصدير ، لذلك عملية إيجاد البديل والحلول محدودة جدا، كما أن النفط ورغم وجود بدائل من خطوط الأنابيب والموانئ إلا إنها تعد محدودة  ولا تستوعب طاقة التصدير العالية، لذلك لجأت بعض الدول إلى إعلان حالة القوة القاهرة في العقود وخفضت الإنتاج.

الحلول:

يتجلى لنا من خلال هذه البيانات والمعلومات أهمية قيام دول المجلس بوضع الاستراتيجيات الملائمة التي تتعلق بالنقل والإنتاج والتصدير.

* على سبيل المثال تنويع طرق التصدير (Diversification)  بحيث تقوم ببناء خطوط أنابيب بديلة تصل للبحر الأحمر وبحر العرب (قامت به جزئيا دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية) لذلك تدعو الحاجة لبناء شبكة خليجية موحدة من خطوط أنابيب النفط تكون بديلة للمضيق لتصدير النفط والغاز ومشتقاته في حال تعثر النقل من خلاله مما يعزز التعاون والتكامل الإقليمي بين دول مجلس التعاون .

* العمل على رفع الطاقة الإنتاجية والتخزينية للدول، بحيث تقوم برفع الإنتاج وتخزين الفائض في خزانات يتم إنشاءها قريباً من الموانئ خارج المضيق، وتكون بمثابة حافظة استراتيجية لثروات الدول، كما يمكن للدول إيداع مخزوناتها في الناقلات العائمة في المناطق الآمنة البعيدة عن الصراعات الجيوسياسية، والتي تعد حلاً مؤقتاً، نظراً لتكلفتها المتوسطة والتي تبلغ 0.3 – 1.9 دولار لكل برميل شهرياً، مقارنة بالتخزين البري والذي يكلف 0.3 – 1 دولار لكل برميل شهرياً (ستاندرد اند بورز قلوبال) لكنها قد تكون مكلفة على المدى الطويل إلا إذا كان السوق في حالة كونتانغو (Contango)حيث تكون الأسعار المستقبلية أعلى من الحالية، هنا قد تحقق الشركات أرباح من عملية التخزين العائم.

* العمل على تفعيل دور قطاعات إدارة المخاطر التي تعنى بتحديد نوع المخاطر وتقييمها واختيار الخطط المناسبة لحلها، ووضع المقترحات المناسبة للاستجابة التي تعمل على ضبط حركة الملاحة، من خلال تعزيز التعاون الدولي وتطوير القدرات في تفعيل خطط الطوارئ التي تعتمد على وضع سيناريوهات محاكاة، كالإغلاق الجزئي أو التعطيل الكامل للممرات البحرية أو ارتفاع تكاليف التأمين.

* ولعل أهم الحلول يكمن في التنويع الاقتصادي وتعدد مصادر الدخل، وعدم تضخيم الريع من النفط وتجنب الاعتماد الكلي عليه في تمويل ميزانية الدولة، كونه يعد أصلا وليس استثمارا، وهذا ما عملت عليه دول مجلس التعاون واحتوته رؤاها المستقبلية، ولكن النظريات يلزمها تطبيق فعلي، والتوسع أكثر في المشاريع الغير نفطية، مثل اللوجستية والسياحية والذكاء الاصطناعي واقتصاد المعرفة، وزيادة الاستثمار في الصناديق السيادية وتنويعها وتعزيز دور قطاعات الأمن الغذائي لسد الاحتياجات ودعم عمليات التصنيع وتطويرها.

الخلاصة:

تعد الممرات المائية كمضيق هرمز ذات أهمية اقتصادية واستراتيجية لدورها في تسهيل حركة مرور البضائع واختصار المسافات، ورغم كونها خاضعة لقوانين الحماية الدولية إلا إنه لا يمكن التنبأ بامكانية فتحها أو إغلاقها لاعتبارات قد تكون أمنية أو سياسية أو جغرافية، إذاً من الضروري البحث عن طرق بديلة للتصدير.

إن معيارية اختيار البدائل تحددها الحاجة وإمكانية التطبيق، ومن ثم التكلفة نظرا للبعد الاستراتيجي لسلع مثل النفط والغاز الطبيعي والمواد الغذائية والمياه.

قيام اقتصاد متين متنوع مستدام وبناء شراكات دولية مع شركاء أقوياء، وتمكين العنصر البشري ذو المهارة والمدرب من ممارسة دوره في البناء والتطوير، ووضع أسس الإدارة السليمة للموارد، ودعم البنية التحتية للثروات الزراعية والقطاعات الصناعية ومصادر الطاقة، ورسم الخطط الاستراتيجية ووضع البدائل والحلول لكل طارئ، كل ذلك من شأنه خلق مرونة في التعامل وصلابة في مواجهة الأزمات الاقتصادية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى