بقلم/ د. عادل خالد الصبيح
كانت المناقصات قديمًا لا مركزية؛ كل وزارة تُعلن مناقصاتها وتُنظّمها بنفسها، مع هامش واسع من الحرية في التأهيل والمواصفات والقرار والترسية والتعاقد. و كانت المناقصات ترسّى وتنفذ بشكل سريع وفعال. لكن هذه الحرية قابلها خطر وجود هامش من الفساد، إذ منحت كل جهة سلطة تقديرية واسعة بلا رقابة موحدة. ومع ظهور حالات فساد متفرقة، اتجهت الحكومة إلى مركزية المناقصات، فانخفضت حرية القرار بدخول أطراف رقابية أكثر، و كان الثمن تباطؤ الإجراءات، وزيادة التدخلات، و تشتت المسؤولية وارتفاع الأسعار، بينما كيّف الفساد نفسه مع الوضع الجديد دون أن يتعطل أو يغيب. اليوم، تشرف لجنة المناقصات المركزية على مشتريات حكومية من مبالغ متواضعة إلى مشاريع بمئات الملايين، وإجراءاتها في التأهيل وشراء وثائق المناقصة وتقديم العروض وصندوق المناقصات، متشابهة سواء صغرت المناقصة أم كبرت، وكلها مبنية أصلًا على متطلبات العمل الورقي. ومع التحول الإلكتروني، انتقل هذا التفكير جزئيًا إلى صيغة ورقية-إلكترونية هجينة دون الاستفادة المثلى من التكنلوجيا، حيث لا تزال الشهادات والأصول الورقية جزءًا لازمًا فيها.
أما آن الأوان للتفكير بطريقة مختلفة تزيد المنافسة وتسرّع الإجراءات مع الحفاظ على الشفافية والتوثيق والحوكمة؟ أما آن الأوان لتطوير تطبيقات الكترونية تنظم المشتريات الحكومية بحيث يستخدمها ويعتمدها المخوّلون في الوزارات، وتُنجز عملية الشراء و التنفيذ و الدفع خلال أيام، مع رقابة مركزية شفافة تتأكد من تحقق التنافس والانضباط؟ وأما آن الأوان لتطبيقات إلكترونية مماثلة للخدمات والمقاولات التي لا تتجاوز قيمتها حدًا معينًا لا يستحق التأخير ولا يشكّل مخاطرة على الدولة؟
كوريا الجنوبية قدّمت واحدة من أنضج التجارب في هذا المجال عبر نظام KONEPS، الذي أطلقته هيئة المشتريات الحكومية الكورية عام 2002 كنظام إلكتروني متكامل يغطي كل مراحل الشراء من قرار الشراء حتى الدفع. يتيح النظام تسجيلًا واحدًا فقط يمكّن المورد من المشاركة في كل المناقصات الحكومية، مع مشاركة معلوماتية تقلل الحاجة إلى المستندات الورقية، وتحويلًا إلكترونيًا للأموال يجعل إجراءات الدفع فورية وبسيطة. والأهم أن الشفافية تحسّنت لأن كل حالات إجراءات الشراء يمكن معرفتها في أي وقت ومكان ومن متخذ القرار، مما يتيح مقارنة أسلوب الطلب ومضمون العقد من قبل الجهة الحكومية نفسها. ولمواجهة التلاعب بالعطاءات، طوّر النظام آلية تُدخل موردين إضافيين عشوائيًا بجانب من يختارهم الموظف المسؤول، تحديدًا لتقليص فرص التواطؤ. المملكة العربية السعودية سارت في هذا الاتجاه عبر “منصة اعتماد”، التي أطلقتها وزارة المالية عام 2018 كبوابة موحدة تهدف إلى توحيد وتسهيل إجراءات المنافسات والمشتريات الحكومية في جميع القطاعات، بما يعزز الشفافية بين الجهات الحكومية والموردين ويزيد من روح التنافس والجودة في المشروعات الحكومية. توفر المنصة طرح المناقصات واستقبال الدعوات وشراء الكراسات وفحص العروض وإتمام الترسية إلكترونيًا بالكامل. والأهم أن فيها مسار مختلف فعلًا للمشتريات الصغيرة، إذ يوفر “السوق الإلكتروني” داخل المنصة إمكانية بحث الجهات الحكومية عن سلع وخدمات وإصدار طلبات شراء مباشرة من اتفاقيات إطارية مع الموردين، أي شراء سريع دون المرور بدورة مناقصة كاملة، وهذا بالضبط اتجاه “التطبيق البسيط للمبالغ المحدودة” الذي يطرحه المقال.
البحرين، من جهتها، اعتمدت منذ 2002 قانونًا لتنظيم المناقصات أنشأ مجلس المناقصات كجهة رقابية موحدة، مع نظام تدرّج بحسب القيمة يتيح مسارات مبسطة للمشتريات محدودة القيمة نسبةً إلى كلفة وزمن المراجعة الكاملة للعروض، إلى جانب منصة إلكترونية للمناقصات تُلزم بنشر كل المشاريع الحكومية التي تتجاوز قيمتها 10 آلاف دينار.
الخلاصة
القاسم المشترك بين هذه التجارب أن الحل لم يكن التراجع عن المركزية، بل الفصل بين التنفيذ اللا مركزي و الرقابة المركزية. و التفريق بين حجم المخاطرة و طول الإجراء: مسار سريع خفيف الإجراءات للمشتريات الصغيرة تحت رقابة لاحقة أو شفافة، ومسار كامل بكل ضماناته للمشاريع الكبرى.
الكويت أمام الخيار نفسه: بناء تطبيق حكومي للمشتريات والمناقصات، يمنح الوزارات سرعة وحرية، وتكون عليهم المسؤولية في التنفيذ الصحيح، وتبقى المركزية في تطوير التطبيق والتوثيق والرقابة غير المعطّلة.
” والحمدلله رب العالمين”
- نقلاً عن حساب الدكتور عادل الصبيح الرسمي على موقع X



