مخاطر الاعتماد على القوائم المالية المنفردة: أهمية التجميع في الشركات القابضة
بقلم/ د. علي عويد رخيص
مكتب الواحة لتدقيق الحسابات- عضو في نكسيا
في عالم الأعمال الحديث، لم تعد الهياكل المؤسسية البسيطة هي السائدة، بل أصبحت المجموعات الاقتصادية المعقدة والشركات القابضة متعددة الكيانات هي النموذج الغالب، خاصة في الاقتصادات التي تعتمد على الاستثمار المتنوع والأنشطة المتشابكة مثل الاقتصاد الكويتي الذي يشهد نمواً في الشركات القابضة العقارية والمالية. وهنا يبرز سؤال جوهري: هل تكفي القوائم المالية المنفردة للشركة الأم لقياس حقيقة مركزها المالي؟
الإجابة المهنية الواضحة: لا.
بين الشكل القانوني والجوهر الاقتصادي
وفق معيار IFRS 10، لا تُقاس العلاقة بين الشركات بنسبة الملكية فقط، بل بمفهوم “السيطرة” الذي يقوم على القدرة على توجيه السياسات المالية والتشغيلية والاستفادة من العوائد المتغيرة.
وهذا المفهوم نقل التقارير المالية من الشكل القانوني إلى الجوهر الاقتصادي. فالشركة قد لا تمتلك 100% من الأسهم، لكنها تمارس سيطرة فعلية تستوجب التجميع الكامل.
أما في حالة النفوذ المؤثر دون سيطرة، فتُعالج الاستثمارات وفق معيار IAS 28 باستخدام طريقة حقوق الملكية، بما يعكس نصيب الشركة من الأداء دون دمج كامل القوائم.
أين تكمن الخطورة؟
الاعتماد على القوائم المنفردة قد يؤدي إلى تشويه القراءة المالية في عدة صور:
1️⃣ قد تظهر الشركة الأم بمستوى مديونية منخفض، بينما تتركز الالتزامات في شركات تابعة مما يخفي مخاطر الإفلاس المحتملة للمجموعة بأكملها.
2️⃣ قد يتم تضخيم الإيرادات عبر تعاملات داخلية بين شركات المجموعة.
3️⃣ قد تُخفى خسائر تشغيلية داخل كيانات منفصلة لا تظهر في نتائج الشركة الأم.
وهنا يصبح التجميع أداة لكشف الصورة الكاملة، وليس مجرد إجراء محاسبي روتيني.
مثال واقعي من شركة مدرجة
فعلى سبيل المثال شركة بيت التمويل الكويتي (KFH)، وهي شركة قابضة مدرجة في بورصة الكويت [وتُعتبر أفضل بنك في الكويت والشرق الأوسط، وثاني أكبر بنك إسلامي على مستوى العالم،] تمتلك المجموعة استثمارات في قطاعات متنوعة مثل الخدمات المالية والعقارات والإعلام. وفقاً لتقريرها السنوي لعام 2023، تبدو الشركة الأم بمستوى التزامات (ديون طويلة الأجل) يبلغ حوالي 5.7 مليار د.ك، ما يعطي انطباعاً بملاءة قوية نسبياً. لكن بعد التجميع، يتبين أن إجمالي التزامات المجموعة يصل إلى حوالي 31.8 مليار د.ك (محسوبة من إجمالي الأصول 38 مليار د.ك مطروحاً منها حقوق المساهمين 6.1 مليار د.ك).
الفارق هنا ليس رقمياً فقط، بل تحليلي واستثماري وائتماني. قرار ممول أو مستثمر قد يختلف جذرياً بناءً على هذه الصورة الموحدة، خاصة في أسواق مثل بورصة الكويت حيث يعتمد المستثمرون على الشفافية لتقييم المخاطر.
التجميع كأداة حوكمة
في بيئة اقتصادية تتسم بتشابك الملكيات وتعدد الشركات ذات الغرض الخاص، يصبح التجميع المالي جزءاً من منظومة الحوكمة، لأنه:
* يعزز الشفافية،
* يمنع نقل الأرباح أو الخسائر بين الكيانات لإدارة النتائج،
* يوفر قراءة دقيقة للمخاطر الائتمانية،
* يدعم قرارات الجهات الرقابية مثل هيئة أسواق المال في الكويت.
كما أن مسؤولية مراقب الحسابات لا تقتصر على التحقق من الأرقام، بل تمتد إلى تقييم طبيعة السيطرة والعلاقات الجوهرية بين الشركات، لضمان عدم استخدام الهياكل المؤسسية كوسيلة لإخفاء المخاطر.
الخاتمة
في النهاية، قد تكون القوائم المنفردة صحيحة قانونياً، لكنها غير كافية اقتصادياً لتقديم صورة شاملة. أما القوائم الموحدة، فهي الأداة الأساسية لعكس الواقع الحقيقي للمجموعة ككيان واحد، مما يحمي المستثمرين والدائنين من المخاطر المخفية. مع تزايد دور الشركات القابضة في الاقتصاد الكويتي والإقليمي، يجب على الجهات المعنية -من محاسبين وجهات رقابية- الالتزام الصارم بمعايير التجميع لتعزيز الثقة في الأسواق المالية.



